وروى العتبيُ عن أبيه قال : سمعت أعرابيَاً يقول لأخيه في معاتبة جرَتْ بينهما : أما والله لرُبً يوم كتَنُّور الطاهي ، رقّاص بالحمامة ، قد رميتُ نَفْسي في أجِيج سَمُومِه ، أحتَمِلُ منه ما أكره لما أحبّ .
قال أبو العباس محمد بن يِزيد : وأحسب العتبي صنع هذا الكلام ، وأخذه من قول بَشَار : الطويل :
ويوم كَتَنورِ الإماء سَجَرنَه . . . وأوقَدنَ فيه الْجَزْل حتى تَضرَّما
رميتُ بنفسي في أجيج سَمُومه . . . وبالعيس حتى بَضّ مَنْخَرها دَمَا
أخذ هذا المعنى بعضُ أصحاب أبي العباس ثعلب فقال يهجو المبرد : الطويل :
ويوم كتنُّور الطّهاة سَجَرْتُه . . . على أنه منه أحَرّ وأوقدُ
ظللت به عند المبرّدِ جالِساً . . . فما زلت في ألفاظِهِ أتبرَدُ
قال الأصمعي : حجت أعرابيةٌ ومعها ابنٌ لها ، فأصيبت به ، فلمّا دُفِن قامت على قبره ، وهي مُوجَعَة فقالت : واللّه يا بنيّ لقد غَذَوْتُك رضيعاً ، وفقدتُك سريعاً ، وكأنه لم يكن بين الحالين مدةٌ ألتذُ بعيشك فيها ، فأصبحتَ بعد النَّضارة والغَضَارة ورونق الحياة والتنسّم في طِيب روائحها ، تحت أطباق الثرَى جَسداً هامداً ، ورُفَاتاً سحيقاً ، وصعيداً جُرُزاً ؛ أي بني لقد سَحَبَتِ الدنيا عليك أذيال الفناء ، وأسكنتك دارَ البِلَى ، ورمتني بعدك نكْبَةُ الرَّدَى ، أي بني ، لقد أسفر لي وجهُ الدنيا عن صباح دَاجٍ ظلامُه .
ثم قالت : أي ربّ ومنك العدل ، ومن خَلْقِك الجَوْر ، وهَبْتَه لي قُرَةَ عين فلم تُمَتِّعني به كثيراً ، بل سَلَبتنِيه وَشِيكاً ؛ ثم أمرتني بالصبر ، وَوَعَدْتني عليه الأجر ، فصدقت وَعْدَك ، ورضيت قضاءك ، فرحم الله من ترحَّم على من استودَعْتُه الرَّدْم ، ووسَدْتُه الثَّرَى ؛ اللهم ارحم غربته ، وآنِس وحشَته ، وأسترْ عَوْرَته ، يوم تُكْشَف الهَنَات والسوءات .
فلما أرادت الرجوعَ إلى أهلها وقفت على قبره ، فقالت أي بني ، إني قد تزوَّدْت لسفري ، فليت شعري ما زادُك لبُعْدِ طريقك ، ويوم مَعَادِك ؟ اللهم إني أسألُك له الرضا برضائيِ عنه . ثم قالت : استودَعْتُك مَن استودَعَنِيك في أحْشَائي جنيناً ؛ وأثكلَ الوالدات ما أمض حرارةَ قلوبهنّ ، وأَقْلَق مضْاجِعهن ، وأطولَ ليلهن ، وأقصرَ نهارهن ، وأقلَّ