وبالمُفْحَم قبل الشاعر ، فأسكت القومُ ، فانبرى إليه غلام ، فقال : بدَأنا بالكاتب قبل الأُمي ، وبالمهاجر قبل الأعْرابي ، وبراكب الراحلة قبل راكب الحمار .
ووصف أعرابي قومَه فقال : ليوثُ حَرْب ، وغُيوث جَدْب ، إنْ قاتلوا أبْلَوْا ، وإنْ بذلوا أغْنَوْا .
ووصف أعرابي قوماً فقال : إذا اصطفُوا سَفَرَتْ بينهم السهام ، وإذا تصافَحُوا بالسيوف فَغَر فَمَه الْحِمامُ .
وُسئل أعرابي عن صديق له ، فقال : صَفِرت عِيَابُ الود بيني وبينه بعد امتلائها ، واكفهّرت وجوهٌ كانت بمائها .
وقال الأصمعي : وسمعت أعرابياً يقول : إن الآمال قَطَعتْ أعناقَ الرجال ، كالسراب غَرَ مَنْ رآه ، وأخلف من رَجاه ، ومَنْ كان الليلُ والنهار مَطِيته أسرعا السير والبلوغ به : البسيط :
والمرءُ يفرح بالأيام يقطَعُها . . . وكلُّ يوم مضى يُدْني من الأجَل
وذكر أعرابي مصيبة نالَتْه ، فقال : إنها ، والله ، مصيبة جعلت سُودَ الرؤوس بيضاً ، وبيضَ الوجوه سوداً ، وهونت المصائب ، وشَيبت الذوائب .
وهذا كقول عبد الله بن الزَبير الأسدي : الوافر :
رَمَى الحِدْثَانُ نِسْوَةَ آل حَرْبٍ . . . بمقدارٍ سَمَدْنَ له سُمُودا
فرد شعورهنَ السُود بيضاً . . . ورد وجوهَهُن البيضَ سُودا
وإنكُ لو رأيت بكاءَ هِنْدٍ . . . ورَمْلَة إذ تَصُكَانِ الخدُودا
بَكَيتَ بُكاءَ مُعْوِلةٍ حَزين . . . أصابَ الدهرُ واحدَها الفقيدا
ونظيرُ هذا التطابق بين السواد والبياض ، وإن لم يكن من هذا المعنى ، قولُ ابن الرومي : الخفيف :
يا بياضَ المَشِيبِ سَوَّدْتَ وَجْهي . . . عند بيضِ الوجوه سُودِ القرونِ فلعمري لأخفينَك جَهْدِي . . . عن عِياني وعن عِيان العيونِ
ولعمري لأمنعنك أن تَض . . . حك في رَأسِ آسفٍ محزون