والمنايَا مَراتب يتفاضل . . . نَ وبالمُرهَفات مَوتُ الكرام
لم يزرْ نفسه رسولُ المنايا . . . بصنوفِ الأوْجاع والأسقَام
هابَه مُعْلناً فدَب إليه . . . في سُتُور الدُّجَى بحدِّ الحسَام
أخذ هذا المعنى عبد الكريم بن إبراهيم التيمي ، فقال يرثي عيسى بن خلف ، صاحب خراج المغرب ، وكان قد تناول دواءً فمات بسببه : الطويل :
منايا سدَدْتَ الطرْقَ عنها ولْم تَدع . . . لها مِن ثنايا شاهِق مُتَطلعا
فلماّ رأت سُورَ المهابة دونها . . . عليك ولما لم تَجِدْ فيك مَطْمَعا
ترقّت بأسبابٍ لِطَافٍ ولم تكد . . . توَاجه موفور الجَلالَةِ أروَعا
فجاءتك في سِرَ الدواء خَفِيَّةً . . . على حينِ لم تَحذَر لداء تَوَقُعا
فلم أر ما لا َيُتّقى مثل سَهْمها . . . ولا مثلها لم تخْشَ كيداً فترجعا وقد رثاه البحتري ويزيد المهلبي بمرثيتين من أَجودِ ما قيل في معناهما ، وكانا حاضِرَيْن ليلة قَتْله . فاختفى أحدُهما في طيّ الباب ، والآخر في قناة الشاذَرْوَان ؛ فمن قصيدة البحتري : الطويل :
تَغَيَّرَ حسنُ الجْعَفَرِيِّ وأُنْسه . . . وقُوِّض بادي الجعفريِّ وحاضرهْ
تحَمَلَ عنه ساكنوهُ فُجَاءةً . . . فآضت سواءً دُورُه ومقابرُه
ولم أرَ مثل القَصرِ إذ رِيعَ سِرْبُهُ . . . وإذ ذُعِرَتْ أطلاؤه وجآذِرْه
وإذْ صِيحَ فيه بالرّحيل فَهُتِّكَتْ . . . على عجَل أَسْتَارُهُ وستائرُهْ
إذا نحن زُرْناه أجَدَ لنا الأَسَى . . . وقد كان قبلَ اليوم يُبْهَجُ زائرُهْ
فأين عميدُ الناسِ في كل نَوْبَةٍ . . . تَنُوبُ وناهِي الدهر فيهم وآمرُهْ
تَخَفَّى لهُ مُغتَالُهُ تحتَ غِرَّةٍ . . . وأولى لمن يغْتَالُه لو يجَاهِرُهْ
صريع تقاضاه السيوفُ حُشاشةً . . . يَجُودُ بها والموتُ حُمْرٌ أظافِرُهْ
حَرام عليَّ الراحُ بَعدَكَ أو أَرى . . . دماً بدم يجري على الأرض مائِرُهْ
وهلَ يُرْتَجى أن يَطْلُبَ الدمَ طالبٌ . . . مَدَى الدهر والموتورُ بالدم وَاتِرُهْ