FluentPlex

Poetry and Poets

جميل بن معمر العذري

نص أصلي Public domain

اقرأ مع القاموس

ثم قال كثيرٌ لجميل: متى عهدك ببثينة؟ قال في أول الصيف وقعة سحابةٍ بأسفل وادي الدوم، فخرجت ومعها جاريةٌ لها تغسل ثوباً، فلما رأتني أنكرتني، فضربت بيدها إلى ثوبٍ في الماء فالتحفت به، وعرفتني الجارية، فعادت فطرحته في الماء، وتحادثنا حتى غابت الشمس، فسألتها الموعد فقالت: أهلها سائرون ولم ألقها بعد، ولم أجد أحداً آمنه أرسله إليها، فقال كثير: هل لك أن آتي الحي فأقرع ببيتٍ من شعرٍ أو تخلو فأكلمها؟ قال: نعم، فخرج كثير حتى أناخ بهم، فقالوا: يا كثير حدثنا كيف قلت لزوج عزة حين أمرها أن تسبك؟ قال كثير: خرجا يرميان الجمار، فوجداني قد أعصب الناس بي، فطالعني زوجها، فسمعني أنشد:

خَليلِى هذا رَبْعُ عَزَّةَ فَاعْقِلاَ ... قَلُوصَيْكُمَا ثُمَّ ابْكِيَا حَيْثُ حَلَّت

فغار، فقال لعزة، لتغضبنه أو لأطلقنك، فقالت: المنشد يعض بكذا وكذا من أمه، مكرهةً، فقلت:

هَنيئاً مَرِيئاً غَيْرَ داءٍ مُخَامرٍ ... لعَزَّة من أَعْرَاضنَا ما اسْتَحَلَّت

فقالت بثينة: أحسنت والله يا كثير، قال كثير وأبياتٌ قلتها لعزة:

أَرْسَلَنِى يا عَزَّ نَحْوَكِ صاحِبى ... على طُوِل نَأْىٍ من حَبيبٍ ومُرْسَلِ

بأَنْ تَضْرِبِى بَيْنِى وبَيْنَك مَوْعداً ... وأَنْ تُخْبِرِينِى ما الَّذى فيه أَفْعَلُ

بِآيَة ما جِئْنَاكِ يَوْماً عَشَّيةً ... بأَسْفَلِ وادي الدَّوْمِ والثَّوْبُ يُغْسَلُ

فقالت بثينة: يا جارية ابغينا من الدومات حجرة البطحاء حطباً لنذبح لكثير عريضاً من البهم ونشويه له! قال كثير: أنا أعجل من ذلك، فراح إلى جميلٍ فأخبره أن الموعد الدومات.

قال أبو محمد: أرق عبد الملك بن مروان ذات ليلةٍ، فقال: اطلبوا لي رجلاً يحدثني، فخرجوا إلى المسجد، فوجدوا رجلاً، فأدخلوه، فقال له عبد الملك، من أنت؟ قال: أنا فلانٌ وكنت من أصدق الناس لجميلٍ، قال: فحدثني عنه، قال: خرجت معه مرةً حتى انتهينا إلى خباءٍ لال بثينة، وسمعت به، فأقبلت في نسوةٍ معها، وأقبل جميلٌ، نحوها، فقعدن وقعد، فتحادثوا ساعةً، ثم أخلوهما، فلم يزالا يتشكيان حتى غشينا الصبح، فودع كل واحدٍ منهما صاحبه، ثم وضع جميلٌ رجله في الغرز، فمالت إليه بثينة فقالت: يا جميل ادن مني، فمال إليها برأسه وعنقه، فسارته بشيءٍ فخر مغشياً عليه، ثم مضت فأتيته فلم أزل عند رأسه حتى طلعت الشمس عليه، فقام ينفض رأسه وهو يقول:

فما مُكْفَهُّر في رحًى مُرْجَحنَّةٍ ... ولا ما أَسَرَّتْ في معادنها النَّحْلُ

بأَحْلَى منَ القَوْلِ الذي قُلْت بَعْدَما ... تَمَكَّنَ في حَيْزُومِ ناقَتِىَ الرِّجْلُ

فقال له عبد الملك: ويحك! فهل تدري ما سارته به؟ قال: لا والله يا أمير المؤمنين.

وذكر ابن عياشٍ قال: خرجت من تيماء فرأيت عجوزاً على أتانٍ، فقلت: ممن أنت؟ قالت: من عذرة، قلت: هل تروين عن بثينة وجميلٍ شيئاً؟ قالت: نعم والله، إنا لعلي ماءٍ من الجناب، وقد اتقينا الطريق واعتزلنا، مخافة جيوشٍ تجيء من الشام إلى الحجاز، وقد خرج رجالنا في سفر، وخلفوا عندنا غلماناً أحداثاً، وقد انحدر الغلمان عشيةً إلى صرم لهم قريبٍ منا، ينظرون إليهم ويتحدثون عند جوارٍ منهم، فبقيت أنا وبثينة نسترم غزلاً لنا، إذ انحدر علينا منحدرٌ من هضبةٍ حذاءنا، فسلم ونحن مستوحشون، فرددت السلام، ونظرت فإذا أنا برجل واقفٍ شبهته بجميل، فدنا فأثبته فقلت: أجميلٌ؟ قال: إي والله، فقلت: والله لقد عرضتنا ونفسك شرا! فما جاء بك؟ قال: هذه الغول التي وراءك! وأشار إلى بثينة، وإذا هو لا يتماسك، فقمت إلى قعبٍ فيه أقطٌ مطحونٌ وتمرٌ، وإلى عكةٍ فيها شيءٌ من سمنٍ، فعصرته على الأقط وأدنيته منه، فقلت: أصب من هذا، ففعل، وقمت إلى سقاء لبنٍ، فصببت له في قدح وشننت عليه ماءً بارداً، وناولته فشرب فتراجع، فقلت: لقد جهدت فما أمرك؟ قال: أردت مصر فجئت أودعكم وأسلم عليكم، وأنا والله في هذه الهضبة التي ترين منذ ثلاثٍ، أنتظر أن أجد فرجةً حتى رأيت منحدر فتيانكم العشية، فجئت لأحدث بكم عهداً، فحدثنا ساعةً ثم ودعنا وانطلق، فلم نلبث إلا يسيراً حتى أتانا نعيه من مصر، قال ابن عياش: فظننت قوله:

مرّر المؤشر فوق أي كلمة في هذه الصفحة لترى معناها

مع حساب مجاني، مرّر المؤشر فوق أي كلمة في المكتبة لترى معناها، واستمع إليها مقروءة بصوت عالٍ، واحفظ الكلمات لمراجعتها في مواعيد تناسب ذاكرتك، واعرف مقدار ما تعرفه من كل كتاب.

أنشئ حسابًا مجانيًا