الحجة ، والحاكم عند اختصام الظنون ، والمفرِّقُ بين الشَكِّ واليقين ، وهو من سلطان الرُسُل الذي انْقَاد به المصعَب ، واستقام الأصْيد ، وبهت الكافر ، وسَلَم الممتنع ، حتى أَشِب الحقُّ بأنصاره ، وخَلاَ ربْعُ الباطلِ من عُمَّاره ، وخيرُ البيان ما كان مصرَحاً عن المعنى ؛ ليُسْرعَ إلى الفهم تلقّيه ، وموجَزاً ليخفّ على اللفظ تعاطيه . وفَضل القرآن على سائر الكلام معروف غيرُ مجهول ، وظاهر غيرُ خفي ؛ يشهدُ بذلك عَجْز المتعاطين ، وَوَهن المتكلّفين ، وتحيّرُ الكذابين ، وهو المبلِّغ الذي لا يُمل ، والجديد الذي لا يَخْلُق ، والحقّ الصادع ، والنورُ الساطع ، والماحِي لظُلَم الضلال ، ولسانُ الصِّدق النافي للكذب ، ونذيرّ قدَّمَتْه الرحمة قبل الهلاك ، ونَاعِي الدنيا المنقولة ، وبَشِيرُ الآخرةِ المخلَدة ، ومِفْتاح الخير ، ودليل الجنة ، إنْ أوْجَزَ كان كافياً ، وإنْ أكثر كان مُذَكِّراً ، وإن أوْمَأ كان مُقنِعاً ، وإن أطال كان مُفهِماً ، وإن أمر فَناصحاً ، وإن حكم فَعَادِلاً ، وإن أخبر فصادقاً ، وإنْ بيَّن فشافياً ، سَهْلٌ على الفهم ، صَعْبٌ على المتعاطي ، قريب المَأْخَذَ ، بعيدُ المرام ، سِرَاجٌ تستضيءُ به القلوب ، حُلوٌ إذا تذوَّقَتْه العقول ، بَحْرُ العلوم ، وديوانُ الْحِكَم ، وجَوْهَر الكلم ، ونُزْهَة المتوسِّمين ، ورَوْح قلوب المؤمنين ، نزل به الرُوح الأمِينُ على محمد خاتم النبيين ، صلى اللّه عليه وعلى آله الطيبين ، فخصمَ الباطل ، وصَدع بالحق ، وتألف من النفرة ، وأنْقَذَ من الهَلَكة ، فوصل الله له النصر ، وأضرع به خَدَّ الكفر .
قال علي بن عيسى الرماني : البلاغةُ ما حُطَّ التكلّفُ عنه ، وبُني على التبيين ، وكانت الفائدةُ أغْلب عليه من القافية ، بأَنْ جَمَعَ مع ذلك سهولةَ المخرج ، مع قُرْبِ المتناوَل ؛ وعذوبةَ اللفظ ، مع رشاقَةِ المعنى ؛ وأن يكون حُسْنُ الابتداءَ كحُسْن الانتهاء ،