وقال ابن الرومي لأبي محمد بن وهب بن عبيد اللّه بن سليمان : الطويل :
تظلّ إذا نامت عيونُ ذوي العمى . . . وإن حدّدوا زُرقاً إليك جَوَاحِظَا
تَغَاضى لهم وَسْنَانَ ، بل متواسِنا ، . . . وتوقِظُهُمْ يقظان بل متياقظا
وأبو جعفر هذا هو الباقر ، وكان أخوه زيد بن علي ، رضي اللّه عنه ، دَيِّناً ، شجاعاً ، ناسكاً ، من أَحْسَنِ بني هاشم عبارةً ، وأجملهم شَارَةً .
وكانت ملوك بني أمية تكتُب إلى صاحب العراق أن امنَعْ أهلَ الكوفة من حضور زيد بن علي ؛ فإنَّ له لساناً أقْطع من ظُبَةِ السيف وأحَدَّ من شَبَا الأسِنّة ، وأبلغ من السحر والكهانَة ، ومن كل نَفْثٍ في عُقْدَة .
وقيل لزيد بن علي : الصمتُ خيرٌ أم الكلام ؟ فقال : قبّح اللّه المساكنة ، ما أفسدها للبيان ، وأجلبها للعِيِّ والْحَصَر واللّه للْمُماراة أسرعُ في هَدْمِ الْعِيِّ من النار في يَبَس العَرْفَج ، ومن السيل إلى الْحدور .
وقال له هشام بن عبد الملك : بلغني أنك ترومُ الخلافة وأنت لا تصلُحُ لها ؛ لأنك ابنُ أمَة ؟ قال زيد : فقد كان إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام ابنَ أمة ، وإسحاق ابنَ حُرَة ؛ فأخرج اللّه من صُلب إسماعيل خيرَ ولد آدم فقال له : قُمْ فقال : إذاً واللّه لا تراني إلاّ حيثُ تَكْره فلمّا خرج من الدار قال : ما أحبَّ أحَد الحياةَ قط إلاّ ذلَ ، فقال له سالم مولى هشام : لا يسمعنَّ هذا الكلام منك أحَدٌ ، وكان زيد كثيراً ما ينشد : السريع :
شرّده الخوفُ وأزْرَى بِهِ . . . كذاك من يَكْرَهُ حرَّ الْجِلاَد
منخرق الخفَّين يشكو الوجَى . . . تَنكُبُه أطرافُ مَرْوٍ حِدَادْ
قد كان في الموت له رَاحَة . . . والموتُ حَتْمٌ في رقاب العبادْ