كل ما يغنّيه مقتَرح . لغنائه في القَلْبِ ، موقع القَطْر في الجَدْب . نغمة نغمته تطرب ، وضروب ضَرْبه لا تضطرب . وقيل : السماع مُتْعَة الأسماع ، وإدامُ المدام .
في وصف القلم
أهدى بعضُ الكتّاب إلى أخٍ له أقلاماً وكتب إليه : إنه - أطال اللهُ بقَاءك - لما كانت الكتابةُ قِوَامَ الخلافة ، وقرينة الرياسة ، وعمودَ الممْلَكة ، وأعظم الأمور الجليلة قدْراً ، وأعلاها خَطَراً ، أحببتُ أن أتحِفك من آلاتّها بما يَخِفُ عليك مَحْمله ، وتثقل قيمتُه ، ويكثر نَفْعُه ؛ فبعثتُ إليك أقلاماً من القصب النابت في الأعْذَاء ، المغذوّ بماء السماء ، كاللآلي المكنونة في الصَّدَف ، والأنوار المحجوبة بالسّدف ، تَنْبُو عن تأثير الأسنان ، ولا يثنيها غَمْزُ البَنان ، قد كسَتْها طباعها جوهراً كالوَشْي المحبر ، وفرند الديباج المنيّر ، فهيِ كما قال الكميت : المتقارب :
وبيضٍ رقاقٍ صِحاح المتو . . . نِ تَسْمَع للبيض فيها صَرِيرا
مُهَنَّدة من عَتَادِ الملوك . . . يكاد سَنَاهُنّ يُعشِي البصيرا وكقدح النبل في ثقل أَوزانها ، وقُضُب الخيزُرَان في اعتدالها ، ووشيجِ الخطّ في اطّرادها ، تَمرُ في القراطيس كالبَرْقِ اللائح ، وتجرِي في الصحف كالماء السائح ، أَحسن من العِقْيان ، في نحورِ القيَان .
وكتب عبيد الله بن طاهر إلى إسحاق بن إبراهيم من خراسان إلى بغداد يسأله أن يوجهَ إليه بأقلام قصبيّة : أما بعد ، فإنّا على طول الممارسة لهذه الصناعة التي غلبَتْ على الاسم ، ولزمت لزوم الوَسْم ، فحلَت محل الأنساب ، وجرت مَجْرَى الألْقاب - وجدنا الأقلام القصبية أسرعَ في الكَوَاغِدِ ، وأمرَّ في الجلود ، كما أن البَحْرية منها أسلسُ في القَراطيس ، والين في المعاطف ، وأكلّ عن تمزيقها ، والتعلق بما ينبو من شظاياها . ونحن في بلادِ قليلة القَصب ، رديء ما يوجد بها منه ؛ فأحببت أن تتقدَم في اختيار أقلام قصبيِة ، وتتأنّق في انتقائها قِبَلك ، وطلبها في منابتها ، من شُطوط الأنهار ، وأرجاء الكروم ، وأن تتيَّم باختيارك منها الشديدة المجسّ ، الصّلبة المعض ، الغليظة الشحوم ، المكتنزة الجوانب ، الضيّقة الأجواف ، الرزينة الوَزْن ، فإنها أبقى على الكتاب ، وأبعد من الحَفَاء ، وأن تقصدَ بانتقائك منها للرقاق القضبان ، اللطاف المنظر ، المقوَّمات الأوَد ، المُلْس