بالقلوب ، لما جعل الله تعالى في تركيب العباد من محبَّةِ الغزل ، وإلف النساء ، فليس أحدٌ يخلو من أن يكونَ متعلّقاً منه بسبب ، وضارباً فيه بسهم ، حلال أو حرام . فإذا استوثق من الإصغاء إليه ، والاستماع له ، عَقَّب بإيجاب الحقوق ؛ فرحل في شعره ، وشكا النَصَبَ والسهر ، وسُرَى الليل وحر الهجير ، وإنضاء الراحلة والبعير ، فإذا علم أنه قد أوجب على صاحبه حقّ الرجاء وذِمام التأميل ، وقرّر عنده ما ناله من المكارِه في المسير ، بدأ في المديح فبعثه على المكافأة ، وفَضَّله على الأشباه ، وصغّر في قدره الجزيلَ ، وهزّه لفعل الجميل ؛ فالشاعر المجيد من سلك هذه الأساليب ، وعدل بين هذه الأقسام ، فلم يجعل واحداً أغلب على الشعر ، ولم يطل فيُمِلّ السامعين ، ولم يقطع وفي النفوس ظمأ إلى المزيد .
بين أبي تمام والبحتري
ويتعلّق بهذه القطعة ما حدَّث به الحاتمي عن نفسه ، وإن كانت الحكاية طويلة فهي غيرُ مملولة ؛ لما لبسَتْه من حُلَل الآداب ، وتزيّنتْ به من حُلى الألباب ، قال : جمعني ورجلاً من مشايخ البصرة ممن يُومَأ إليه في علم الشعر مجلسُ بعضِ الرؤساء ، وكان خبره قد سبق إليّ في عصبيّته للبحتري ، وتفضيله إياه على أبي تمام ، ووجدت صاحبَ المجلس مؤثراً لاستماع كلامِنا في هذا المعنى ، فأنشأتُ قولاً أنحيْتُ فيه على البحتري إنحاءً أسرفْتُ فيه ، واقتدحْتُ زِنادَ الرجل ، فتكلّم وتكلّمْتُ ، وخُضْنَا في أفانين من التفضل والمماثلة ، غلوتُ في جميعها غلواً شهده جميع من حضر المجلس ، وكانوا جُمّة الوقت ، وأعيان الفضل ، فاضطر إلى أن قال : ما يحسن أبو تمام يبتدئ ، ولا يخرج ، ولا يختم ، ولو لم يكن للبحتري عليه من الفضل إلا حسن ابتداءاته ، ولطفُ خروجه ، وسرعة انتهائه ، لوجب أن يقَع التسليم له ، فكيف بأوَابده التي تزدادُ على التكرار غَضَارة وجدة ، ثم أقبل عليّ ، فقال : أين يُذهب بك عن ابتدائه : الكامل :
عارضنا أُصُلاً فقلْنا الرَّبربُ . . . حتى أضاء الأقحوان الأشنبُ
واخضرَّ مَوْشيُّ البرودِ وقد بَدَا . . . منهنّ ديباجُ الخدودِ المُذهَبُ
وأنىّ لأبي تمام مثل خروجه حيث يقول : الطويل :