أدارَهُمُ الأولى بدارة جُلجل . . . سقاكِ الحيَا رَوْحاته وبواكرُهْ
وجاءك يحكي يوسف بن محمد . . . فروّتْك رَيّاهُ وجَادَك ماطِرُهْ
وقد كرر هذا وزاد فيه فقال : البسيط :
تنصّب البرقُ مختالاً فقلت له . . . لو جُدْتَ جودَ بني يَزْدان لم تَزِد
ومن ذا الذي لَطُف لأن يخرج من وصف روض إلى مدح ، فقال أحسن من أقوله : الطويل :
كأنَّ سناها بالعشيِّ لصَحْبها . . . تبلُج عيسى حين يَلْفظُ بالوَعْدِ
وأنَّى لأبي تمام مثلُ حسن انتهائه حيث يقول : الطويل :
إليك القوافي نازعاتٍ شوارداً . . . يُسيَّر ضَاحِي وَشْيها ويُنَممُ
ومشرقةً في النظم غُرًّا يزيدُها . . . بهاءً وحسناً أنها لك تُنظمُ
وقوله في هذا المعنى : الطويل :
ألست المُوالِي فيك نَظْمَ قصَائدٍ . . . هي الأنجم اقتادتْ مع الليل أنجُمَا
ثناء تَخَالُ الروضَ فيه منوّراً . . . ضحًى ، وتخالُ الوَشْي فيه مُنَمْنَما
ولقد تقدم البحتري الناسَ كلهم في قوله : الكامل :
لو أنّ مشتاقاً تكلّف فوق ما . . . في وُسْعِهِ لسعى إليك المنبرُ قال أبو علي : وكنت ساكناً إلى أن استتمّ كلامه ، فكأن الجماعة أعجبهم ذلك ، عصبيةً عليّ لا عَلَى أبي تمام ؛ لأني كنت كالشَجَى معترضاً في لهوَاتهم ، وأَسرَّ كلَّ واحد منهم إلى صاحبه سرّاً يومئ به إلى استيلاء الرجل عليّ ؛ فلمّا استتمّ كلامه وبرقت له بارقةُ طمع في تسليمي له ابتدأت فقلت : لست ممن يُقَعْقَعُ له بالشَنَان ، ولا يُقْرَع له بالعصا ، لا إلهَ إلا الله استنَّت الفصالُ حتى القَرْعَى هل هذه المعاني إلا عُون مُفْتَرعة ، قد تقدم أبو تمام إلى سبْك نُضَارها ، وافتضاض أبكارها ، وجرى البحتري على وتيرته في انتزاع أمثالها وأتباعها ، فأمّا قوله : عارضْنَنَا أصلاً فقلنا الربوب ، فمن قول أبي جُوَيْرَية العبدي : الكامل :
سلّمن نحوي للوداع بمقلة . . . فكأنما نظرت إلينا الربرب