فِقَرٌ من كلام سهل بن هرون للمأمون
كان المأمون استَثقل سَهْل بن هرون ، فدخل عليه يوماً ، والناسُ على مَراتبهم ، فتكلّم المأمون بكلام ذَهَب فيه كل مذهب ؛ فلما فرغ من كلامه أقبل سهلُ بن هرون على الجَمع فقال : ما لكم تسمعون ولا تعون ، وتشاهدون ولا تَفْقَهُون ، وتفهمون ولا تتعجَّبون ، وتتعجّبون ولا تُنصفون ؟ واللّه إنه ليقول ويفعلُ في اليوم القصير ما فعل بنو مروان في الدهر الطويل ، عَرَبُكم كعجمكم ، وعَجَمُكم كعبيدكم ، ولكن كيف يَعْرِف الدواء من لا يشعر بالداء ؟ فرجع المأمونُ فيه إلى الرأي الأول .
من ترجمة سهل بن هرون ، وأخباره
وكان أبو عمرو سهل بن هرون من أهل مَيسان ، نزل البصرة فنُسِب إليها ، وهو القائل : الكامل :
يا أهل مَيْسان السلام عليكم . . . الطيبون الفرعُ والْجِذْمُ
أمّا الوجوهُ ففِضَّة مُزِجت . . . ذهباً وأيدٍ سَحَةٌ هُضْمُ
أتُريدُ كلْب أن أُناسبها . . . قد قلّ من كلْب بيَ العِلْمُ
أجعلت بيتاً فوق رابية . . . فرعُ النجوم كأنه نَجْمُ
كَبَيَتِ شَعير وسط مجهلة . . . بفنائه الْجِعْلاَنُ والبهْمُ
وكان سهل شعوبياً ، والشعوبية فِرْقَةٌ تتعصّب على العرب وتنتقصُها ، وكان أبو عبيدة يُرمى بذلك . وسهل ظريفٌ عالم حسَنُ البيان ، وله كتب ظريفة صنَفها معارضاً للأوائل في كتبهم بما لا يستَصْوبه منهم ، حتى قيل له : بزر جمهر الإسلام وقال يمدح رجلاً : الطويل :
عدوُّ تِلادِ المال فيما يَنُوبُهُ . . . مَنُوعٌ إذا ما مَنْعُه كان أحْزَما
مذلّل نفس قد أبتْ غير أنْ تَرَى . . . مكارِهَ ما تأْتي من العيش مَغْنَما
وهذا نظير قوله في كتاب ثَعْلَة وعُفرة الذي عارض به كليلة ودمنة : اجعلوا أداءَ ما يَجِبُ عليكم من الحقوق مقدماً قبل الذي تجودون به من تفضلكم ؛ فإن تَقْديم النافلة مع الإبطاء عن الفريضة مُظاهر على وَهَنِ العقيدة ، وتقصير الروية ، ومُضِرٌ بالتدبير ، مخل