فمتى عزَمْتَ ؟ فقلت : غداةَ غد ، فقال : الوافر :
صباح الله لا صبْحُ انطلاقِ . . . وطَيْر الوَصْلِ لا طَيْرُ الفِراقِ
قال : أين تريد ؟ قلت : الوطن ، قال : بُلِّغْتَ الوَطن ، وقضَيْتَ الوَطَر ، فمتى العَود ؟ قلت : القابل ؟ قال : طَوَيْتَ الرَّيط ، وثنَيْتَ الخيط ، فأين أنت من الكرم ؟ قلت : بحيث أردت ؟ قال : إذا رجعك الله من هذه الطريق ، فاستَصحِب لي عدُواً في بُردَةِ صديق ، من نِجَار الصُّفر ، يدعو إلى الكفر ، ويرقُص على الظفْر ، كدَارة العين ، يحطُ ثِقَلَ الذين ، وينافِقُ بوَجهين فعلمت أنه يلتمس ديناراً ، قلت : لك ذلك نقداً ، ومثله وَغداً ، فأنشأ يقول : مخلع البسيط :
رَأْيُك مِمَّا خَطَبتُ أعلى . . . لا زلت للمَكرُمات أهْلا
صَلُبْتَ عُوداً وفُقْتَ جُوداً . . . وطِئتَ فرعاً وطِبْتَ أصلا
لا أستطيع العَطاء حَمْلا . . . ولا أطيق السؤال ثِقْلاَ
قصُرْتُ عَنْ مُنتهاك ظَنّا . . . وطُلْتُ عما ظَنَنْتَ فِعلاً
يا رحمة اللَّه والمعالي . . . لا لَقَيَ الدَّهْرُ مِنْكَ ثُكْلاَ
قال عيسى بن هشام : فُنُلتُه الدينار ، وقلت : من أين نبتَ هذا الفَضل ؟ قال : نَمَتني قريش ، ومُهِّد لي الشرفُ في بَطْحائها . فقال بعض من حضر : ألَسْت أبا الفتح السكندري ؟ ألم أرك بالعِراق ، تطوف بالأسواق ، مُكَدِّياً بالأوراق ؟ فأنشأ يقول : مجزوء الرمل :
إنَّ للَهِ عبيداً . . . أخذوا العُمْرَ خَلِيطا
فهمُ يُمْسُون أعرا . . . با ويُضْحُون نَبيطا
وله إلى أبي نصر الميكالي يشكو إليه خليفته بهَرَاة : كتابي ، أطال اللَهُ بقاءَ الشيخ الجليل ، والماءُ إذا طال مُكْثُه ، ظَهَرَ خُبْثه ، وإذا سكن مَتْنُه ، تحرَك نتنُه ، كذلك الضيفُ يَسْمُج لقاؤه ، إذا طال ثَوَاؤه ، ويثقل ظِلّه ، إذا انتهى مَحَلّه ، وقد حلَبْت أشطر خمسة أشهر بهَرَاة وإن لم تكن دار مثلي لولا مُقامهُ ، وما كانت