فلمّا أخذتنا عَيْنُه سقانا الدُّرْدِيّ من أوَلِ دَنّه ، وأجْنَانا سوءَ العِشرة من باكورة فنّه ، من طَرْفٍ نَظَر بشَطْرِه ، وقيام دَفَع في صَدْرِه ، وصديق استهان بقَدْرِه ، وضيف استخفّ بأمره ؛ لكنّا أقطعناه جانب أخلاقه ، وولَيناه خُطَة نفاقه ؛ فواصلناه إذ جَانَب ، وقارَبْنَاه إذ جاذب ، وشَرِبنَاه على كُدُورته ، ولَبسْناه على خُشُونته ، ورَدَدْنا الأمر في ذلك إلى زيّ استغثّه ، ولباس استرثّه ، وكاتبناه نستمدُّ وِداده ، ونستلِينُ قيادَه ، ونُقيمُ منْآدَه ، بما هذه نسخته .
الأستاذ أبو بكر ، واللَّهُ يطيل بقاءه ، أزْرَى بضيفه أن وجده يَضْرِب إليه آبَاط القلَّة ، في أطمار الغُرْبة ، فأعمل في رُتْبَتِه أعمالَ المصارفة ، وفي الاهتزاز إليه أصناف المضايقة ، من إيماء بنِصْفِ الطرْف ، وإشارة بشَطْرِ الكفّ ، ودَفْعٍ في صدر القيام عن التمام ، ومَضْغٍ للكلام ، وتكلُفٍ لردِّ السلام ؛ وقد قبلت ترتيبه صَعَراً ، واحتملته وزراً ، واحتضَنْته نكراً ، وتأبطته شرًّا ، ولم آلهُ عُذْراً ؛ فإن المرءَ بالمال وثياب الجمال ، ولستُ مع هذه الحال وفي الأسمال ، أتقزّز من صَفِّ النعال ، فلو صدَقتُه العتَاب ، وناقشته الحساب ، لقلت : إنَّ بوادِينا ثاغية صباح ، ورَاغية رَوَاح ، وناساً يجرّون المَطارِف ، ولا يمنعون المعارف : الطويل :
وفيهمْ مقاماتٌ حِسَان وجوهُهمْ . . . وأنْدِيَة يَنتابُها القَوْلُ والفِعْلُ
فلو طوّحت بأبي بكر - أيدَه اللَّهُ - إليهم مطارحُ الغُرَبة ، لوجد منزلَ البشْرِ رحيباً ، ومحطّ الرَحْل قريباً ، ووَجه المُضِيف خصيباً ؛ فرأي الأُستاذ أبي بكر ، أيّده اللّه ، في الوقوف على هذا العتاب الذي معناه وُد ، والمرَ الذي يَتْلُوه شَهْد ، موفقٌ إن شاء الله . فأجاب بما نسخته : وصلتْ رُقْعَةُ سيدي ورئيسي أطال الله بقاه إلى آخر السكْبَاج ، وعَرَفت ما تضمّنه من خَشِنِ خطابه ، ومُؤْلم عِتَابه ، وصرفت ذلك منه إلى الضجْرةِ التي لا يخلو منها مَنْ مسَّه عُسر أو نَبَا به دهر ؛ والحمد لله الذي جعلني موضعَ أُنْسِه ، ومظنَّةَ مشتكى ما في نفسه ، أما ما شكاه سيدي ورئيسي مِنْ مضايقتي إياه في القيام ، فقد وفيته حقّه - أيدَه اللَّهُ - سلاماً وقياماً ، على قَدْرِ ما قدَرْت عليه ، ووصلت إليه ، ولم أرْفَعْ عليه إلاّ السيد أبا البركات العلوي أدام الله عزّه ، وما كنتُ لأرفع أحداً على مَنْ أبوه الرسول ، وأمهُ البَتُول ، وشاهداه التوراة والإنجيل ، وناصراه التأويل والتنزيل ، والبشير به جبريل