يُسَرُ العاقل بسلاح قاتله ؟ وهذا الفاضل شفاه اللّه وإن ظاهرْناه بالعداوة قليلاً ، فقد باطَنَّاهُ وُداً جميلاً ، والحرُّ عند الحميةِ لا يصطادُ ، ولكنه عند الكرم يَنْفَادُ ، وعند الشدائد تَذْهَبُ الأحقاد ، فلا تتصور حالتي إلا بصورتها من التوجُّع لعلَته ، والتحزُّن لمرضته ، وقَاهُ واللَهُ المكروه ، ووقاني سماعَ المحذور فيه ، بمَنِّه وحَوْله ، ولُطْفِه وطَوْله .
قال البديع في سياقة أخباره مع أبي بكر الخوارزمي : أولها أنّا وطئنا خُرَاسان ، فما اختَرْنا إلاّ نيسابور داراً ، وإلاّ جوار السادة جَوَارا ، لا جرم أنا حَطَطْنا بها الرَّحْلَ ؛ ومدَدْنا عليها الطُنُبَ ، وقديماً كنّا نسْمَعُ بحديث هذا الفاضل فنتشوَقه ، وبخبرِه على الغَيْبِ فنتعشّقه ، ونقذّر أنا إذا وطئْنا أرْضَه ، وورَدنا بلدَه ، يخرج لنا في العِشرة عن القشْرَة ، وفي المودَّةِ عن الجلدة ، فقد كانت كلمةُ الغُرْبة جَمَعَتْنا ، ولُحْمَةُ الأدب نَظَمتْنَا ، وقد قال شاعر القوم غير مدافع : الطويل :
أجَارَتَنا إنّا غريبانِ ها هُنا . . . وكلُّ غريبٍ للغريبِ نَسِيبُ
فأخلف ذلك الظن كل الإخلاف ، واختلف ذلك التقدير كل الاختلاف ، وكان قد اتفق علينا في الطريق من العرب اتفاق ، لم يوجبه استحقاق ، من بزّة بَزّوها ، وفِضَّة فضّوها ، وذهب ذهبوا به ، ووردنا نيسابور برَاحَةٍ ، أنْقَى من الراحة ، وكيس أخْلى من جَوْفِ حمار ، وزي أوْحَشَ من طلْعة المعلَم ، بل اطلاعة الرقيب ، فما حَلَلْنَا إلاّ قصبة جواره ، ولا وَطِئْنا إلا عتَبة دَارِه ؛ وهذا بعد رُقْعَةٍ قدَمْنَاها ، وأحوالِ أُنْسٍ نظمناها .
ونسخة الرقعة : أنا بقُرْب الأستاذ أطال اللَّهُ بقاه كما طَرِب النّشْوَان مالَتْ به الخمرُ ، ومن الارتياح للقائه كما انتفض العُصفور بلّله القَطْرُ ، ومن الامتزاج بولائه كما التقَت الصَهباءُ والبارد العَذْبُ ، ومن الإبتهاج لمَزَاره كما اهتزّ تحت البارح الغُصُنُ الرَطْبُ ، فكيف نَشَاطُ الأستاذ سيدي لصديق طرأ إليه ممَا بين قَصبتي العراق وخُرَاسان ، بل عتبتي نيسابور وجرجان ؟ وكيف اهتزازه لضيف : الكامل :
رثّ الشمائل مُخْلَق الأثْوَابِ . . . بَكَرَتْ عليه مُغيرَةُ الأعْرَابِ
وهو - أيّدَه الله - وليُ إنعامه ، بإنفاذ غُلاَمه ، إلى مستقري ، لأُفضي إليه بما عندي - إن شاء الله - .