وهذا شبيهٌ بقول عديّ بن زيد ، وقد نزل النعمانُ بن المنذرِ تحت سَرْحَة ، فقال : أتدرِي ما تقول هذه السَّرْحة أيها الملك ؟ قال : وما تقول ؟ قال : تقول : الرمل :
رُبً رَكْبٍ قد أنَاخُوا حَوْلَنا . . . يشربون الْخَمْرَ بالماءِ الزُلالِ
ثم أضْحَوْا لَعِبَ الدّهرُ بهم . . . وكذَاك الدَّهْرُ حالاً بَعْدَ حالِ
ويروى عَكَفَ الدَهْرُ بهم فثَوَوْا . فتكدَّرَ حالُ النُعمان وما كان فيه من لذةٍ .
ألفاظ لأهل العصر في الشكر بدلالة الحال
لو سكت الشَّاكرُ لنَطَقَت المآثِرُ . لو صَمتَ المُخَاطِبُ لأثْنَت الحقائِبُ ، ولَشَهِدَتْ شواهِدُ حاله ، على صِدْقِ مَقَالِه . إن جَحَدْتُ ما أوْلاَنيه ، كَفَرْتُ ما أعْطَانيه ، نطقتْ آثارُ أياديه عليَّ ، ولمعت أعلامُ عَوَارِفه لديَ .
ولأبي الفضل الميكالي من رسالة : وردَ فلانٌ فتعاطى من شُكْرِه على نعمِه التي ألبسه جمالَها ، وأسحَبه أفْيالَها ، ما لو لم يتحدّث به ناشراً ومُثنياً ، ومعِيداً ومُبْدياً ، لأَثنَت به حَالُه ، وشهَدَتْ به رِحَاله ، حتى لقد امتلأت بذكرِه المحافلُ ، وسارت بحبره الركْبَان والقوافل ، وصارت الألسِنةُ على الشكر والثناء لساناً ، والجماعة على النَّشْرِ والدعاءَ أنصاراً وأعواناً ، على أنه وإن بالغَ في هذا الباب ، وجاوزَ حَدَ الإكثار والإسهاب ، نهايتُه القصورُ دون واجبه ، والسقوطُ عن أدنى درجاته ومَرَاتبه .
ومما يقترن لهم بهذا المعنى من ذِكْرِ الشكر : قال أبو الفتح البستي : الحرّ نَحْلُ الشكر ، إن أجْنَاه المرءُ من خيره شكراً أجناه من بِرّه شَهْداً .
غيره : الشكر ترجمانُ النيَّةِ ، ولسانُ الطَوَية ، وشاهدُ الإخلاصِ ، وعنوان الاختصاص . الشكرُ نسيمُ النِّعَمِ ، وهو السببُ إلى الزيادة ، والطريقُ إلى السعادة . الشكرُ قيْدُ النَعْمَة ، ومفتاح المزيد ، وثَمنُ الجنةِ . مَنْ شكرَ قليلاً ، استحقَّ جزيلاً . شكْرُ الموْلَى ، هو الأوْلى . الشكر قَيْد النِّعم وشِكالها ، وعِقالُها ، وهو شبيه بالوَحْشِ التي لا تقيم مع الإيحاش ، ولا تَريم مع الإيناس . مَوْقِعُ الشكرِ من النعمة مَوْقِعُ القِرَى من الضيفِ ، إنْ وجده لم يَرِم ، وإن فَقَدهُ لم يُقِم . الشكر غرسٌ إذا أُودِع سَمْع الكريم أثْمر الزيادةَ ، وحفظَ العادة . الشكرُ تعرّض للمزيد السائغ ، والنِّعم السَوابغ . شُكْرُهُ شكرُ الأسير لمن أطلْقَه ،