وقال ابن الرومي في هذا المعنى : البسيط :
له مواعدُ بالخَيْرَاتِ بادِرَةٌ . . . لكنها تَسْبِقُ الميعادَ بالصّفَدِ
يُعْطِيكَ في اليوم حق اليوم مبتدئاً . . . ولا يُضَيِّع بَعْدَ اليومِ حق غَدِ
في البرّ والإنعام
خطب سليمانُ بن عبد الملك فقال : أيها الناسُ ، مَنْ لم يعلم أبْوَابَ مَدْخَله في الكرامة ، وجَهِل طريقته التي وقَعَتْ به على النَعمة كان بِعُرْضِ رُجوعٍ إلى دارِ هَوَان ، وانقلابٍ بفادح خُسْران .
فقام إليه أبو وائلة السدوسي ، وهو حاجِبُه ، فقال : يا أميرَ المؤمنين ، كنّا كما قال اللّه تعالى . ' هَلْ أتى عَلَى الإنْسَانِ حِين مِنَ الدَهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذكُوراً ' ، ثم صِرْنا كما قال زُهير : الوافر :
يَدُ المَلِكِ الجليل تناولَتْهُمْ . . . بإحسانٍ فليس لها مُزيلُ
لأنَ الخيرَ أَجْمَعَ في يَدَيْه . . . ورَبي بالجزاء له كَفِيلُ
فقال سليمان : هذه والله المعرِفةُ بقَدْرِ النَعمة ، والعلمُ بما يَجب للمنعم .
ورؤي يونس بن المختار في دار المأمون ، ومرتبَتُه في أَعلَى مراتِبِ بني العباس ، قاعداً على الأرض ، فقال الحاجبُ : ارتفِعْ يا أَبا المعلّى إلى مَرتبَتِكَ ، قال : قد رفعني اللّه إليها بأمير المؤمنين ، وليس لي عملٌ يَفي بها ، فلِم لا أكرِمها عن القعود عنها إلى أن يتهيأ لي الشكر عليها ؟ فبلغ الكلامُ المأمونَ ؛ فقال : هذا والله غايةُ الشكر ، وبمثله تدر النَعَم . وقال رجل للمعلى بن أيوب ، وقد رَفَعه المعتصمُ إلى مرتبَة أَهْل بيته : ما يزيدُك التقريبُ إلاَّ تباعُداً . فقال : يا هذا ، إني أَصُون تقريبَه إياي بتباعدي منه ؛ لئلاَ تفسد حُرْمَتي عنده بقلَّةِ الشكرِ على نعمته .
ولما استعانَ المنصورُ بالحارث بن حسان قال له : يا حارث ، إني قد مكنتك من حُسْنِ رَأيي فيك ، فاحفَظْهُ بتركِ إغفال ما يجبُ عليك قال : يا أميرَ المؤمنين ، مَنْ أَغْفَل سببَ حُلولِ النعمة ، وَلَهَا عَن الحال التي أصارَتهُ إليها ، استصحبَ اليأسَ من نَيْلِ مِثْلِها ، وانقطع رجاؤُه من الزيادة فيها ، فقال أبو جعفر : مَن كانت عنده هذه المعرفة دامَت النعمةُ له ، وبقي الإحسانُ إليه .