طالب - رضي اللّه عنه - فأَساءَ مُخاطَبَتَه ؛ فدعا عليه وعلى ولده بالعَمَى ، فكلّ من عمي منهم صحيحُ النسب قال الصولي : حدّثني أبو العيناء ، قال : لما أُدْخِلْتُ على المتوكلِ فدعوتُ له وكلّمتُه استحسنَ كلامي ، وقال لي : بلغني أنَّ فيك شرًّا فقلتُ : يا أميرَ المؤمنين ، إن يكن الشرُ ذِكْرَ المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته فقد زَكّى الله تعالى وذم ، فقال في التزكية : ' نِعْمَ الْعَبْدُ إنَّهُ أَوَابٌ ' ، وقال في الذمّ : ' هَمَازٍ مَشَّاءً بنَميمٍ ، مَنّاعٍ للخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ ' . وقال الشاعر : الطويل :
إذا أنا لم أمْدَحْ على الخير أهْلَهُ . . . ولم أذُممِ الجِبْسَ اللئيمَ المذمّما
ففيمَ عَرَفْتُ الخيرَ والشرَ باسْمهِ . . . وشقَّ ليَ اللَهُ المسامَع والفَما ؟
وإن كان الشرّ كفعل العَقْرَب التي تَلْسَعُ السَّنيَ والدنيَ بطَبْعٍ لا بتمييز ، فقد صَانَ اللَّهُ عبدَك عن ذلك فقال لي : بلغني أنك رَافِضيٌ ، فقلتُ : يا أميرَ المؤمنين ، وكيف أكونُ رافضيًّا وبلدي البصْرَة ومَنْشَئي في مَسْجِد جامِعها ، وأستاذِي الأَصْمَعي ، وليس يَخْلو القومُ أن يكونوا أرادُوا الدين أو الدنْيا ؛ فإن كانوا أرادوا الدَين فقد أجمع الناس على تقديم مَنْ أَخّروا ، وتأخير من قدموا ، وإن كانوا أرادوا الدنيا فأَنتَ وآباؤك أمراءُ المؤمنين ، لا دِينَ إلاّ بك ، ولا دنْيَا إلاّ معك .
قال : كيف ترى دَارِي هذه ؟ قال : قلت : رأيت الناس بَنَوْا دُورهم في الدنيا ، وأنت بنيتَ الدنيا في دارك . فقال لي : ما تقول في عبيد الله بن يحيى ؟ قلت : نِعْمَ العَبْد لله ولك ، مقَسَم بين طاعته وخدمتك ، يؤثِر رِضَاك على كل فائدةٍ ، وما عاد بصلاحِ ملكك على كل لذّةٍ .
قال : فما تَقول في صاحب البريد ميمون بن إبراهيم ؟ - وكان قد علم أني واجدٌ عليه بتقصير وقَعَ منه في أَمْرِي - فقلت : يا أميرَ المؤمنين ، يدٌ تَسْرِق واستٌ تضرط ؛ وهو مثل اليهوديّ سرق نصف جزْيتَه ، فلَه ، إقدامٌ بما أَدى ، وإحجام بما أبْقَى ، إساءتُه طبيعة ، وإحسانه تكلّف