إلى اليمن ، فخرج ؛ فلما سار إلى هناك لم تَدَعْهُ نفسُه وتَركَ الشعر ، فقال : البسيط :
هيهات مِنْ أمَّةِ الوهابِ منزلُنا . . . إذا نزلْنا بِسِيفِ البحر من عَدَنِ
واحتلَّ أهلُكَ أجياداً ، وليس لنا . . . إلا التذكر أو حظ من الحَزَنِ
بل ما نسيت غداة الْخَيْف موقفَها . . . وموقفي ، وكِلانا ثَمَّ ذُو شجَنِ
وقولها للثريّا وهي مطرقةٌ . . . والدمعُ منها على الخدَّين ذُو سَنَنِ
باللَّه قولي له في غير مَعْتبةٍ . . . ماذا أردتَ بطُولِ المُكْثِ في اليمن
إن كنت حاولت دُنْيا أو ظفِرْتَ بها . . . فما أخذتَ بترك الحجِّ من ثَمنِ
فلمّا بلغ الشعرُ الحارثَ قال : قد علمنا أنه لا يَفي . وروى سفيانُ بن عيينة عن ابن جريج قال : لزمَني دَين مرَّةً فضاقَتْ ساحتي وبلادي بي ، فتوجهت إلى مَعْن بن زائدة باليمن ، فقال : ما أقْدَمك هذه البلدة : قلت : ديْن طردني عن وطني ، قال : يُقْضَى دَيْنُكَ ، وتُردّ إلى وطنك محبوًّا مَحْبُوراً ، قال : فأقمت عنده ، ثم رأيتُ الناس يرحَلُون إلى الحجّ ، فحننت إلى مكة ، وذكرت قول ابن أبي ربيعة ، وذكر الأبيات . . . فأتيتُ باب مَعْن ، فقلت للحاجب : استأْذِنْ لي على الأمير ، فلمّا دخلت عليه قال : إنَّ لك لحادثَ خَبر قلت : أسْتَوْدِعُ الله الأمير وأستحفظه عليه . قال : وما هاج هذا مِنْك ؟ فقلت : رأيت خروجَ الناس إلى الحجّ ، وذكرت قولَ عمر ، فحننت إلى مكّة ، فقال : أَنْتَ وحنينك ، وإن كنتُ بفراقك ضَنينا ، وسيتْبَعُك ما تحتاجُ إليه ؛ فسِرْ مُصَاحَبا ، قال : فسرْتُ إلى رَحْلي ، فأتبعني بمالٍ وثياب ومَطَايا ودوابّ ، وسرت إلى مكَّةَ من فًوْري .
وكان عمر - على غَزَله ، وما يذكره في شعره - عفيفاً . حدّث المغيرة بن عبد الرحمن عن أبيه قال : دخلت مع أبي مكةَ ، فجاءه عمر ، فسلّم عليه ، وأنا غلام شابّ وعليّ جبَّة ، فجعل يَأْخُذُ بخصلة من شَعْرِي فتمتدّ في يده ، يُرْسِلها فترجع ، فيقول : واشباباه فمّال لي : يا ابن أخي ، قد سمعتَ قولي : قُلت لها وقالت لي ؛ وكل مملوك لي حرّ إن كنت قط كشفت عن فرج حَرَام قال : فقمت وفي نَفْسِي من يمينه شيء ؛ فسألتُ عن رَقيقه ، فقيل لي : أما في هذا الحول فسبعون .