وكان يوسف والد الشيخ موفق الدين مشتغلاً بعلم الحديث بارعاً في علوم القرآن والقراءات، مجيداً في المذهب والخلاف والأصولين، وكان متطرفاً من العلوم العقلية، وكان سليمان عم الشيخ موفق الدين فقيهاً مجيداً، وكان الشيخ موفق الدين عبد اللطيف كثير الاشتغال لا يخلي وقتاً من أوقاته من النظر في الكتب والتصنيف والكتابة، والذي وجدته من خطه أشياء كثيرة جداً بحيث أنه كتب من مصنفاته نسخاً متعددة، وكذلك أيضاً كتب كتباً كثيرة من تصانيف القدماء، وكان صديقاً لجدي وبينهما صحبة أكيدة بالديار المصرية لما كنا بها، وكان أبي وعمي يشتغلان عليه بعلم الأدب، واشتغل عليه عمي أيضاً بكتب أرسطوطاليس، وكان الشيخ موفق الدين كثير العناية بها، والفهم لمعانيها، وأتى إلى دمشق من الديار المصرية، وأقام بها مدة وكثر انتفاع الناس بعلمه، ورأيته لما كان مقيماً بدمشق في آخر مرة أتى إليها، وهو شيخ نحيف الجسم، ربع القامة، حسن الكلام، جيد العبارة؛ وكانت مسطرته أبلغ من لفظه، وكان رحمه اللَّه ربما تجاوز في الكلام لكثرة ما يرى في نفسه، وكان يستنقص الفضلاء الذين في زمانه وكثيراً من المتقدمين، وكان وقوعه كثيراً جداً في علماء العجم ومصنفاتهم، وخصوصاً الشيخ الرئيس بن سينا ونظرائه.
ونقلت من خطه في سيرته التي ألفها ما هذا مثاله قال أني ولدت بدار لجدي في درب الفالوذج في سنة سبع وخمسين وخمسمائة وتربيت في حجر الشيخ أبي النجيب لا أرف اللعب واللهو، وأكثر زماني مصروف في سماع الحديث، وأخذت لي إجازات من شيوخ بغداد وخراسان والشام ومصر، وقال لي والدي يوما،ً قد سمعتك جميع عوالي بغداد وألحقتك في الرواية بالشيوخ المسان، وكنت في أثناء ذلك أتعلم الخط، وأتحفظ القرآن والفصيح،و والمقامات، وديوان المتنبي ونحو ذلك، ومختصراً في الفقه، ومختصراً في النحو، فلما ترعرعت حملني والدي إلى كمال الدين عبد الرحمن الأنباري،و وكان يومئذ شيخ بغداد، وله بوالدي صحبة قديمة أيام التفقه بالنظامية، فقرأت عليه خطبة الفصيح فهذر كلاماً كثيراً متتابعاً لم أفهم منه شيئاً، لكن التلاميذ حوله يعجبون منه، ثم قال أنا أجفو عن تعليم الصبيان أحمله إلى تلميذي الوجيه الواسطي يقرأ عليه فإذا توسطت حاله قرأ علي، وكان الوجيه عند بعض أولاد رئيس الرؤساء، وكان رجلاً أعمى من أهل الثروة والمروءة، فأخذني بكلتي يديه، وجعل يعلمني من أول النهار إلى آخره بوجوه كثيرة من التلطف، فكنت أحضر حلقته بمسجد الظفرية، ويجعل جميع الشروح لي ويخاطبني بها، وفي آخر الأمر أقرأ درسي وخصني بشرحه، ثم نخرج من المسجد فيذاكرني في الطريق، فإذا بلغنا منزله أخرج الكتب التي يشتغل بها مع نفسه فاحفظ له وأحفظ معه ثم يذهب إلى الشيخ كمال الدين فيقرأ درسه ويشرح له، وأنا أسمع، وتخرجت إلى أن صرت أسبقه في الحفظ والفهم، وأصرف أكثر الليل في الحفظ والتكرار، وأقمنا على ذلك برهة، كلما جاء حفظي كثر وجاد، وفهمي قوي، واستنار، وذهني احتد واستقام، وأنا ألازم الشيخ وشيخ الشيخ، وأول ما ابتدأت حفظت اللمع في ثمانية أشهر، وأسمع كل يوم شرح أكثرها مما يقرؤه غيري، وأنقلب إلى بيتي فأطالع شرح الثمانين، وشرح الشريف عمر بن حمزة، وشرح ابن برهان، وكل ما أجد من شروحها، وأشرحها لتلاميذ يختصون بي إلى أن صرت أتكلم على كل باب كراريس، ولا ينفذ ما عندي، ثم حفظت أدب الكاتب لابن قتيبة حفظاً متقناً، أما النصف الأول ففي شهور، وأما تقويم اللسان ففي أربعة عشر يوماً لأنه كان أربعة عشر كراساً، ثم حفظت مشكل القرآن له وغريب القرآن له، وكل ذلك في مدة يسيرة، ثم انتقلت إلى الإيضاح لأبي علي الفاسي فحفظته في شهور كثيرة، ولازمت مطالعه شروحه وتتبعته التتبع التام حتى تبحرت فيه وجمعت ما قال الشراح، وأما التكملة فحفظتها في أيام يسيرة كل يوم كراساً، وطالعت الكتب المبسوطة والمختصرات وواظبت على المقتضب للمبرد، وكتاب ابن درستويه، وفي اثناء ذلك لا أغفل سماع الحديث والتفقه على شيخنا ابن فضلان بدار الذهب، وهي مدرسة معلقة بناها فخر الدولة بن المطلب.