قال وللشيخ كمال الدين مائة تصنيف وثلاثون تصنيفاً، أكثرها في النحو وبعضها في الفقه والأصولين وفي التصوف والزهد، وأتيت على أكثر تصانيفه سماعاً وقراءة وحفظاً، وشرع في تصنيفين كبيرين أحدهما في اللغة والآخر في الفقه ولمن يتفق له إتمامهما وحفظت عليه طائفة من كتاب سيبويه وأكببت على المقتضب فأتقنته، وبعد وفاة الشيخ تجردت لكتاب سيبويه ولشرحه للسيرافي، ثم قرأت على ابن عبيد الكرخي كتباً كثير منها كتاب الأصول لابن السراج، والنسخة في وقف ابن الخشاب برباط المأمونية، وقرأت عليه الفراض والعروض للخطيب التبريزي، وهو من خواص تلاميذ ابن الشجري، وأما ابن الخشاب فسمعت بقراءته معاني الزجاج على الكتابة شهدة بنت الأبري، وسمعت منه الحديث المسلسل وهو " الراحمون يرحمهم الرحمن؛ ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء " وقال أيضاً موفق الدين البغدادي إن من مشايخه الذين انتفع بهم كما زعم ولد أمين الدولة بن التلميذ، وبالغ في وصفه وكثر، وهذا فلكثرة تعصبه للعراقيين، وإلا فولد أمين الدولة لم يكن بهذه المثابة ولا قريباً منها، وقال أنه ورد إلى بغداد رجل مغربي جوال في زي التصوف له أبهة ولسن، مقبول الصورة، عليه مسحة الدين، وهيئة السياحة، ينفعل لصورته من رآه قبل أني أخبره، ويعرف بابن نائلي، يزعم أنه من أولاد المتلثمة، خرج من المغرب لما استولى عليها عبد المؤمن، فلما إستقر ببغداد اجتمع إليه جماعة من الأكابر والأعيان، وحضره الرضي القزويني، وشيخ الشيوخ ابن سكينة، وكنت واحداً ممن حضره فاقرأني مقدمة حساب، ومقدمة ابن بابشاد في النحو وكان له طريق في التعليم عجيب، ومن يحضره يظن أنه متبحر وإنما كان متطرفاً، ولكنه أمعن في كتب الكيمياء والطلسمات وما يجري مجراها، وأتى على كتب جابر بأسرها، وعلى كتب ابن وحشية، وكان يجلب القلوب بصورته ومنطقه وإيهامه، فملأ قلبي شوقاً إلى العلوم كلها، واجتمع بالإمام الناصر لدين اللَّه وأعجبه، ثم سافر وأقبلت على الإشتغال، وشمرت ذيل الجد والاجتهاد، وهجرت النوم واللذات، وأكببت على كتب الغزالي المقاصد، والمعيار، والميزان، محك النظر، ثم انتقلت إلى كتب ابن سينا صغارها وكبارها، وحفظت كتاب النجاة، وكتبت الشفاء وبحثت فيه، وحصلت كتاب التحصيل لبهمنيار تلميذ ابن سينا، وكتبت وحصلت كثيراً من كتب جابر بن حيان الصوفي وابن وحشية وباشرت عمل الصنعة الباطلة وتجارب الضلال الفارغة، وأقوى من أضلني ابن سينا بكتابه في الصنعة الذي تمم به فلسفته التي لا تزداد بالتمام إلا نقصا.
قال ولما كان في سنة خمس وثمانين وخمسمائة حيث لم يبق ببغداد من يأخذ بقلبي ويملأ عيني، ويحل ما يشكل عليّ،و دخلت الموصل فلم أجد فيها بغيتي، لكن وجدت الكمال بن يونس جيداً في الرياضيات والفقه متطرفاً من باقي أجزاء الحكمة، قد استغرق عقله ووقته حب الكيمياء وعملها، حتى صار يستخف بكل ما عداها، واجتمع إلى جماعة كثيرة، وعُرضت علي مناصب فاخترت منها مدرسة ابن مهاجر المعقلة ودار الحديث التي تحتها، وأقمت بالموصل سنة في اشتغال دائم متواصل ليلاً ونهاراً، وزعم أهل الموصل أنهم لمن يروا من أحد قبلي ما رأوا مني من سعة المحفوظ، وسرعة وسكون الطائر، وسمعت الناس يهرجون في حديث الشهاب السهروردي المتفلسف، ويعتقدون أنه قد فاق الأولين والآخرين، وإن تصانيفه فوق تصانيف القدماء فهممت لقصده ثم أدركني التوفيق فطلبت من ابن يونس شيئاً من تصانيفه، وكان أيضاً معتقداً فيها فوقعت على التلويحات، واللمحة، والمعارج، فصادفت فيها ما يدل على جهل أهل الزمان، ووجدت لي تعاليق كثيرة لا أرتضيها هي خير من كلام هذا الأنوك، وفي أثناء كلامه يثبت حروفاً مقطعة يوهم بها أمثاله أنها أسرار إلهية