FluentPlex

Lives of the Physicians

أمين الدولة بن التلميذ

Texte original Public domain

Lire avec le dictionnaire

ومن نوادره إن الخليفة كان قد فوض إليه رئاسة الطب ببغداد، ولما اجتمع إلىه سائر الأطباء ليرى ما عند كل واحد منهم من هذه الصناعة، كان من جملة حضره شيخ له هيئة ووقار وعنده سكينة، فأكرمه أمين الدولة وكانت لذلك دربة ما بالمعالجة، ولم يكن عنده من علم صناعة الطب إلا التظاهر بها، فلما انتهى الأمر إليه قال له أمين الدولة ما السبب في كون الشيخ لم يشارك الجماعة فيما يبحثون فيه حتى نعلم ما عنده من هذه الصناعة؟ فقال يا سيدنا، وهل شيء مما تكلموا فيه إلا وأنا أعلمه، وقد سبق إلى فهي أضعاف ذلك مرات كثيرة؟ فقال له أمين الدولة فعلى من كنت قد قرأت هذه الصناعة؟ فقال الشيخ يا سيدنا إذا صار الإنسان إلى هذه السن ما يبقى يليق به إلا أن يسأل كم له من التلاميذ، ومن هو المتميز فيهم، وأما المشايخ الذين قرأت عليهم فقد ماتوا من زمان طويل، فقال له أمين الدولة يا شيخ، هذا شيء قد جرت العادة به ولا يضر ذكره، ومع هذا، فما علينا، أخبرني أي شيء قد قرأته من الكتب الطبية؟ وكان قصد أمين الدولة أن يتحقق ما عنده، فقال سبحان اللّه العظيم، صرنا إلى حد ما يسأل عن الصبيان، وأي شيء قد قرأته من الكتب، يا سيدنا لمثلي ما يقال إلا أي شيء صنفته في صناعة الطب، وكم لك فيها من الكتب والمقالات؟ ولا بد إنني أعرفك بنفسي، ثم إنه نهض إلى أمين الدولة ودنا منه وقعد عنده، وقال له، فيما بينهما يا سيدي، إعلم أنني قد شخت وأنا أوسم بهذه الصناعة، وما عندي منها إلا معرفة اصطلاحات مشهورة في المداواة، وعمري كله أتكسب بها، وعندي عائلة، فسألتك باللّه ياسيدنا مشي حالي ولا تفضحني بين هؤلاء الجماعة، فقال أمين الدولة على شريطة، وهي أنك لا تهجم على مريض بما تعلمه، ولا تشير بفصد ولا بدواء مسهل إلا لما قرب من الأمراض، فقال الشيخ هذا مذهبي منذ كنت، ما تعديب السكنجبين والجلاب، ثم إن أمين الدولة قال له معلناً، والجماعة تسمع يا شيخ، اعذرنا فإننا ما كنا نعرفك، والآن قد عرفناك، استمر فيما أنت فيه، فإن أحداً ما يعارضك، ثم إنه عاد بعد ذلك فيما هو فيه مع الجماعة، وقال لبعضهم على من قرأت هذه الصناعة وشرع في امتحان، فقال يا سيدنا، أنا من تلامذة هذا الشيخ الذي قد عرفته، وعليه كنت قد قرأت صناعة الطب، ففطن أمين الدولة بما أراد من التعريض بقوله، وتبسم ثم امتحنه بعد ذلك.

وكان لأمين الدولة بن التلميذ أصحاب وجماعة يترددون إليه، فلما كان في بعض الأيام أتى إليه ثلاثة، منجم، ومهندس، وصاحب أدب، فسألوا عن أمين الدولة غلامه قنبر، فذكر له أن سيده ليس في الدار، وأنه لم يأت في ذلك الوقت، فراحوا، ثم إنهم عادوا في وقت آخر، وسألوه عنه، فذكر لهم مثل قوله الأول، وكان لهم ذوق من الشعر فتقدم المنجم وكتب على الحائط عند باب الدار

قد بلينا في دار أسعد قوم، بمدبر

ثم كتب المهندس بعده

بقصير مطول ... وطويل مقصر

ثم تقدم صاحب الأدب وكان عنده مجون فكتب

كم تقولون قنْبراً ... دحرجوا رأس قنْبرَ

ومضوا، فلما جاء أمين الدولة قال له قنبر يا سيدي جاء ثلاثة إلى ها هنا يطلبونك، ولما لم يجدوك، كتبوا هذا على الحائط، فلما قرأه أمين الدولة قال لمن معه يوشك أن يكون هذا البيت الأول خط فلان المنجم؛ وهذا البيت الثاني خط فلان المهندس؛ وهذا الثالث خط فلان صاحبنا، فإن كل بيت يدل على شيء مما يعانيه صاحبه، وكان الأمر كما حدسه أمين الدولة سواء، وكانت دار أمين الدولة هذه يسكنها ببغداد في سوق العطر مما يلي بابه المجاور لباب الغربة من دار الخلافة المعظمة، بالمشرعة النازلة إلى شاطئ دجلة.

وقال أمين الدولة بن التلميذ فكرت يوماً في أمر المذاهب فرأيت هاتفاً في النوم وهو ينشدني

أعوم في بحرك علي أرى ... فيه لما أطلبه قعرا

فما أرى فيه سوى موجة ... تدفعني عنها إلى أخرى

وحدثني سعد الدين بن أبي السهل البغدادي العواد، وكان قد عمر، قال رأيت أمين الدولة بن التلميذ واجتمعت به، وكان شيخاً ربع القامة، عريض اللحية، حلو الشمائل كثير النادرة، قال وكان يحب صناعة الموسيقى وله ميل إلى أهلها.

Survolez n’importe quel mot de cette page pour voir son sens

Avec un compte gratuit, survolez n’importe quel mot de la bibliothèque pour voir son sens, écoutez-le lu à voix haute, enregistrez des mots pour des révisions calées sur votre mémoire, et voyez quelle part de chaque livre vous connaissez déjà.

Créer un compte gratuit