FluentPlex

Lives of the Physicians

أمين الدولة بن التلميذ

Original text Public domain

Read with the dictionary

وحدثني سديد الدين محمود بن عمرو، رحمه اللّه، قال حدثني الإمام فخر الدين محمد بن عبد السلام المارديني وكان صديقاً لأمين الدولة وعاشره مدة، قال كان الأجل أمين الدولة بن التلميذ من المتميزين في العربية، وكان يحضر مجلسه في صناعة الطب خلق كثير يقرؤون عليه، وكان اثنان من النحاة يلازمان مجلسه ولهما منه الإنعام والإفتقاد، فكان من يجده من المشتغلين عليه يلحن كثيراً في قراءته، أو هو ألكن يترك أحد ذينك النحويين يقرأ عنه وهو يسمع، ثم يأمر ذلك التلميذ أيضاً بأن يقرر للنحوي شيئاً يعطيه إياه عن قراءته عنه، وكان لأمين الدولة ولد، ولم يكن مدركاً لصناعة الطب، وكان في سائر أحواله بعيداً عما كان عليه أمين الدولة، ولأمين الدولة فيه

أشكو إلى اللّه صاحباً شكساً ... تسعفه النفس وهو يعسفها

فنحن كالشمس والهلال معاً ... تكسبه النور وهو يكسفها

وكان أمين الدولة يؤنب ولده أيضاً بهذا البيت

والوقت أنفس ما عنيت بحفظه، ... وأراه أسهل ما عليك يضيع

وحدثني الشيخ الإمام رضي الدين الطبيب الرحبي رحمه اللّه قال اجتمعت في بغداد بابن أمين الدولة، فلما جرى بيننا حديث قال في سياقة كلامه إن في السماء من الجانب الجنوبي مثقباً تطلع فيه الأدخنة، وتنزل منه الأرواح، وبدت منه أشياء كثيرة من هذا القبيل ظهر بها أن ليس عنده شيء من تحقيق العلم، ولا له فطرة سليمة.

وحدثني الشيخ السني البعلبكي الطبيب قال راح من عندنا من دمشق ثلاثة من أطباء النصارى إلى بغداد، سماهم، فلما أقاموا بها سمعوا بابن أمين الدولة فقالوا سمعة والده عظيمة، والمصلحة أننا نروح إليه، ونسلم عليه ونخدمه، ونكون قد اجتمعنا به قبل السفر إلى الشام، فقصدوا داره ودخلوا إليه وسلموا وعرفوه أنهم نصارى، وإن قصدهم التشرف برؤيته، فأكرمهم وأجلسهم عنده، قال السني فحدثوني أنه تبين لهم سخافة عقل وضعف رأي، وذلك أنه من جملة ما حدثهم أنه قال يقولون أن الشام مليح؛ ودمشق طيبة، وأنا قد عزمت أن أبصرها، إلا أنني أعمل من حيث العلم والهندسة شيئاً أكون إذا سافرت إليها يكون بسهولة، ولا أجد كلفة، قالوا فقلنا له يا سيدنا، كيف تعمل؟ فقال أما تعلمون أن الشام منخفض عن إقليم بغداد وأنه مستقل عنه، وذلك مذكور في علم الهيئة وارتفاع المواضع بعضها عن بعض، فقلنا نعم يا سيدنا، فقال أستعمل عجلاً من الخشب ببكر كبار، ويكون فوقهم دفوف مبسوطة مسمرة؛ واجعل فوقهم جميع ما أحتاج إليه؛ وإذا أطلقنا العجل تروح بالبكر بسرعة في الانحدار، ولا نزال كذلك إلى أن نصل إلى دمشق بأهون سعي، قالوا فتعجبنا من غفلته وجهله، ثم قال واللّه ما تروحون حتى أضيفكم وتأكلون عندي طعاماً، وصاح بالفراش فأحضر سفرة فاخرة ومد عليها رقاقاً رفيعاً أبيض لا يكون شيء أحسن منه، كأنه النصافي البغدادية، وهناباً فيه خل وهندباً منقاة جعلها حواليه، ثم قال بسم اللّه كلوا، قالوا فأكلنا شيئاً يسيراً إذ هو على خلاف عادتنا في الأكل، ثم رفع يديه وقال يا غلام هات الطست، فأحضر طستاً مفضضاً وقطعة صابون رقى كبيرة؛ وسكب عليه الماء وهو يغسل يديه فأرغى الصابون ثم مسح به فمه ووجهه ولحيته، حتى بقيت عيناه ووجهه ملآن من ذلك الصابون وهو أبيض، ونظر إلينا، قالوا وكان منا فلان لم يتمالك أن ضحك وزاد عليه وقام فخرج من عنده، فقال ما لهذا؟ فقلنا له يا سيدنا هذا فيه خفة عقل وهذه عادته، فقال لو أقام عندنا داويناه، فتعجبنا منه ثم ودعناه وانصرفنا، ونحن نسأل اللّه العافية مما كان فيه من الجهل، وحدث بعض العراقيين أن أمين الدولة مات، لصديق له ولد، وكان ذا أدب وعلم، ولم يعزه أمين الدولة، فلما اجتمع به بعد ذلك عتب عليه إذ لم يعزه عن ولده للمودة التي بينها، فقال أمين الدولة لا تلمني في هذا، فواللّه أنا أحق بالتعزية منك، إذ مات ولدك وبقي مثل ولدي

Hover any word on this page for its meaning

With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.

Create free account