FluentPlex

The Travels of Ibn Jubayr

شهر محرم سنة ثمانين وخمس مئة

نص أصلي Public domain

اقرأ مع القاموس

ولهؤلاء النسوة الخواتين في كل عام، إذا لم يحجبن بأنفسهن، نواضح مسبلة مع الحاج يرسلنها مع ثقات يسقون أبناء السبيل في المواضع المعروف فيها الماء، وفي الطريق كله، وبعرفات، وبالمسجد الحرام، في كل يوم وليلة، فلهن في ذلك أجر عظيم، وما التوفيق الا بالله جل جلاله. فتسمع المنادي على النواضح يرفع صوته بالماء للسبيل، فيهطع اليه المرملون من الزاد والماء بقربهم وأباريقهم فيملأونها، ويقول المنادي في اشادته بصوته: أبقى الله الملكة خاتون، ابنة الملك الذي من أمره كذا، ومن شأنه كذا. ويحليه بحلاه، إعلااناً باسمها، واظهاراً لفعلها، وستجلاباً للدعاء لها من الناس، والله لا يضيع أجر من أحسن عملاً. وقد تقدم تفسير هذه اللفظة خاتون، وأنها عندهم بمنزلة السيدة أو مايليق بهذا اللفظ الملوكي النسائي.

ومن عجيب هذه المحلة أيضاً، على عظمها وكبرها، وكونها وجود دنيا بأسرها، أنها اذا حطت رحالها، ونزلت منزلها، ثم ضرب الأمير طبله للإنذار بالرحيل، ويسمونه الكوس، لم يكن بين استقلال الرواحل بأوقارها ورحالها وركابها الا كلا ولان فلا يكاد يفرغ الناقر من الضببة الثالثة الا والركائب قد أخذت سبيلها. كل ذلك من قوة الاستعداد، وشدة الاستظهار على الأسفار، والحول والقوة لله وحده، لا اله سواه.

واسراؤها بالليل بمشاعيل موقدة يمسكها الرجالة بأيديهم، فلا تبصر قشاوة من القشاوات الا وأمامها مشعل، فالناس يسيرون منها بين كواكب سيارة توضح غسق الظلماء، وتباهي بها الأرض أنجم السماء. والمرافق الصناعية وغيرها من المصالح الدينية والمنافع الحيوانية كلها موجودة بهذه المحلة غير معدومة، ووصفها يطول، والأخبار عنها لاتنحصر.

فلما كان ظهر يوم الاثنين اثر الصلاة أقلعنا من خليص مرتحلين، وتمادى سيرنا العشاء الآخرة، ثم نزلنا ونمنا نومة خفيفة، ثم ضرب الكوس فأقلعنا وأسرينا ضحى من النهار، ثم نزلنا مريحين أول الظهر من يوم الثلاثاء، ثم أقلعنا من منزلنا ذلك واد يعرف بوادي السمك، اسم يكاد يكون واقعاً على غير مسمى فنزلناه مع العشاء الآخرة، وأصبحنا به مقيمين يوم الأربعاء لتجديد حمل الماء، وهو بهذا الوادي في مستنقعات، وربما حفر عليه في الرمل، فأقلعنا منه أول ظهر يوم الأربعاء المذكور، ثم أجزنا مع الليل عقبة محجرة كؤوداً ذهب فيها من الجمال كثير. ونزلنا في بسيط من الأرض، ونمنا نصف الليل، ثم رحلنا في مهمة افيح بسيط ممتد مد البصر، ورمله منثالة، فمشت الجمال فيها دون مقطرة لانفساح طريقها.

ثم نزلنا مريحين قائلين يوم الخميس التاسع والعشرين من ذي الحجة، وبيننا وبين بدر مقدار مرحلتين، فلما كان أول الظهر رحلنا مقربة من بدر فنزلنا بائتين.ثم قمنا قبل نصف الليل فوصلنا بدراً وقد ارتفع النهار. وهي قرية فيها حدائق نخل متصلة، وبها حصن في ربوة مرتفعة، ويدخل اليها على بطن واد بين جبال. وببدر عين فوارة، وموضع القليب الذي كان بإزائه الواقعة الاسلامية التي أعزت الدين وأذلت المشركين، هو اليوم نخيل، وموضع الشهداء خلفه، وجل الرحمة الذي نزلت فيه الملائكة عن يسار الداخل منها الصفراء، وبإزائه جبل الطبول، وهو شبيه كثيب يزعمون أن أصوات الطبول تسمع بها كل يوم جمعة، كأنها آثار أنذارات باقية بما سلف من النصر النبوي في ذلك الموضع، والله أعلم بغيبه.

وموضع عريش النبي، صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم، يتصل بسفح جبل الطبول المذكور، وموضع الوقيعة أمامه. وعن خيل القليب مسجدن يقال: أنه مبرك ناقة النبي، صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم.وصح عندنا، على زعم أحد الأعراب الساكنين ببدر، أنهم يسمعون أصوات الطبول بالجبل المذكور، لكن عين لذلك كل يوم اثنين ويوم خميس. فعجبنا من زعمه كل العجب ولايعلم حقيقة ذلك الا الله تع.

وبين بدر والصفراء بريد، والطريق اليها في واد بين جبال تتصل بها حدائق النخيل، والعيون فيها كثيرة: منها حصنان يعرفان بالتوأمين، وحصن يعرف بالحسنية، وآخر يعرف بالجديد، حصون كثيرة، وقرى متصلة.

شهر محرم سنة ثمانين وخمس مئة

مرّر المؤشر فوق أي كلمة في هذه الصفحة لترى معناها

مع حساب مجاني، مرّر المؤشر فوق أي كلمة في المكتبة لترى معناها، واستمع إليها مقروءة بصوت عالٍ، واحفظ الكلمات لمراجعتها في مواعيد تناسب ذاكرتك، واعرف مقدار ما تعرفه من كل كتاب.

أنشئ حسابًا مجانيًا