FluentPlex

The Travels of Ibn Jubayr

يوم الرحيل

Original text Public domain

Read with the dictionary

فوصلت عتمة يوم السبت، وأجليت في سبب انصراف هذه الملكة المترفة قداح الظنون، وسلت الخواطر على استخراج سرها المكنون، فمنهم من يقول: انها إنصرفت أنفة لبعض ما انتقدته على الأمير، ومنهم من قال: إن نوازع الشوق للمجاورة عطفت بها المثابة المكرمة، ولا يعلم الغيب الا الله. وكيفما كن الأمر فقد كفى الله العطلة بسببها، وأطلق سبيل الحاج، ولله الحمد على ذلك.

وأبو هذه المرأة المذكورة الأمير مسعود، كما ذكرناه، وهو في بسطة من ملكة واتساع من امرته، على ما حقق عندنا، أكثر من مئة ألف فارس، وصهره علهيا نور الدين صاحب آمد وما سواها؛ ويركب له أيضاً نحو اثني عشر الف فارس. ولخاتون هذه افعال من البر كثيرة في طريق الحاج: منها سقي الماء للسبيل، عينت لذلك نحو الثلاثين ناضحة، ومثلها للزاد، واستجلبت لما تختص به من الكسوة والأزودة وغير ذلك نحو المئة بعير. وأمورها يطول وصفها، وسنها نحو خمسة وعشرين عاماً.

ولخاتون الثانية، أم عز الدين صاحب الموصل، زوج قطب الدين بن اتابك أخي نور الدين الذي كان صاحب الشام، رحمه الله، ولهذه أفعال كثيرة من البر.

وخاتون الثالث ابنة الدقوس صاحب اصبهان من بلاد خراسان، وهي أيضاً كبيرة القدر عظيمة الشأن منافسة في أفعال البر. وشأنهن جمع عجيب جداً فيما هن بسبيله من الخيل والاحتفال في الأبهة الملوكية.

ثم أقلعنا ظهر يوم السبت الرابع والعشرين لذي الحجة المذكور ونزلنا بمقربة من عسفان، ثم اسرينا اليها نصف الليل وصبحناها بكرة يوم الأحد. وهي في بسيط من الأرض بين جبال، وبها آبار معينة تنسب لعثمان، رضي الله عنه، وشجر المقل فيها كثير، وبها حصن عتيق البنيان، ذو أبراج مشيدة غير معمور، قد أثر فيه القدم، وأوهته قلة العمارة ولزوم الخراب. فاجتزناها بأميال ونزلنا مريحين قائلين.

فلما كان اثر صلاة الظهر أقلعنا خليص، فوصلناها عشي النهار. وهي أيضاً في بسيط من الأرض، كثيرة حدائق النخل، لها جبل فيه حصن مشيد في قنته. وفي البسيط حصن آخر قد أثر فيه الخراب. وبها عين فوارة قد أحدثت لها أخاديد في الأرض مسربة يستقى منها على أفواه كالآبار، يجدد الناس بها الماء لقلته في الطريق بسبب القحط المتصل، والله يغيث بلاده وعباده.

وأصبح الناس بها مقيمين يوم الاثنين لإرواء الإبل واستصحاب الماء.

وبهذه المحلة العراقية ومن انضاف اليها من الخراسانية والمواصلة وسائر جهات الآفاق من المواصلين صحبة أمير الحاج المذكور جمع لايحصي عدده الا الله تع، يغص بهم البسيط الأفيح، ويضيق عنهم المهمة الصحصاح، فترى الأرض تميد بهم ميداً، وتموج بجميعهم موجاً، فتبصر منهم بحراً طامي العباب، ماؤه السراب، وسفنه الركان، وشرعه الظلائل المرفوعة والقباب، تسير سير السحب المتراكمة، يتداخل بعضها على بعض، ويضرب بعضها جوانب بعض. فتعاين لها تزاحماً في البراح المنفسح بهول ويروع، واصطكا كاً نبع المحارات فيه بعضه ببعض مقروع، فمن لم يشاهد هذا السفر العراقي لم يشاهد من أعاجيب الزمان مايحدث به ويتحف السامع بغرابته، والقدرة والقوة لله وحده، وحسبك أن النازل في منزل من منازل هذه المحلة متى خرج عنها لبعض حاجة ولم تكن له دلالة يستدل بها على موضعه ضل وتلف وعاد منشوداً في جملة الضوال، وربما اضطرته الحال الوصول مضرب الأمير ورفع مسألته اليه، فيتأمر أحد المنشدين ببريحه والهاتفين بأوامره ممن قد أعد لذلك أن يردفه خلفه على جمل ويطوف به المحلة العجاجة، وهو قد ذكر له اسمه، واسم جماله، واسم البلد الذي هو منه، فيرفع عقيرته بذلك معرفاً بهذا الضال ومنادياً باسم الجمال وبلده، أن يقع عليه، فيؤديه اليه. ولو لم يفعل ذلك لكان آخر عهده بصاحبه الا أن يلتقطه التقاطاً أو يقع عليه اتفاقاً. فهذا من بعض عجائب شؤون هذه المحلة، وعجائبها أكثر من أن يحيط بها لوصف. ولأهلها من قوة الجدة واليسار مايعينهم على ماهم بسبيله، والملك بيد الله يؤتيه من يشاء.

Hover any word on this page for its meaning

With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.

Create free account