ومضت شهور، وجاء الديلم يريدون البلد، وخرج بجكم إليهم، فتهارب الناس منهم، وعملنا على الهرب متى انهزم بجكم، فما كان بأسرع من أن جاءنا منهزماً، فطار الناس على وجوههم.
وقال أبو العباس لحرمه: اخرجوا، فتباطؤوا بسبب حليهن.
فلما زاد عيه الأمر، دخل، فقال: ما لكم؟ إن كنتم قد صادقتم صديقا، فأقيموا، وعرفوني لأهرب وحدي، وإن كنتم اتخذتم حبة فاحملوها معنا، وإلا فالسيف قد لحق بنا، فما هذا التباطؤ عن الهرب، لندرك.
فحدثوه بحديث الحلي ورهنه، فكتب إلي: " بسم الله الرحمن الرحيم " يا أبا يحيى، جعلت فداك،
سلبت الجواري حليهن فلم تدع ... سواراً ولا طوقاً على النحر مذهباً
فاستحييت منه، وبعثت بالحلي، فأخذه، ورحل بجواريه، ورحلنا. ودخل الديلم البلد.
حجر خاصيته طرد الذباب
حدثني أبو أحمد عبد الله بن عمر الحارثي، قال: حدثني رجل خراساني من بعض أصحاب الصنعة، ممن كان يعرف الأحجار الخواصية، قال: اجتزت برهداري بمصر، فرأيت عنده حجراً أعرفه، يكون وزنه خمسة دراهم، مليح المنظر، وقد جعله بين يديه في جملة قماشه.
وكنت أعرف أن خاصيته في طرد الذباب، وكنت في طلبه منذ سنين كثيرة.
فحين رأيته ساومته فيه، فاستلم علي به خمسة دراهم، فلم أماكسه ودفعتها إليه صحاحاً.
فلما حصلت في يده، وحصل الحجر في يدي، أقبل يطنز بي، ويسخر مني.
ويقول: يجون هؤلاء الحمير، لا يدرون أيش يعطون، ولا أيش يأخذون، والله، إن هذه الحصاة رأيتها منذ أيام مع صبي، فوهبت له دانق فضة، وأخذتها، وقد اشتراها هذا الأحمق مني بخمسة دراهم.
فرجعت إليه، وقلت له: يجب أن أعرفك أنك أنت الأحمق، لا أنا. قال: كيف؟ قلت: قم معي، حتى أعرفك ذلك.
فأقمته ومضينا حتى اجتزنا بكسار يبيع التمر في قصعة، والذباب محيط بها.
فنحيت الرجل بعيداً من القصعة، وجعلت الحجر عليها، فحين استقر عليها طار جميع الذباب. وتركته ساعة، وهي خالية من ذبابة واحدة فما فوقها، ثم أخذت الحجر فرجع الذباب، ثم رددته، فطار الذباب.
ففعلت ذلك ثلاث مرات، ثم خبأت الحجر.
وقلت: يا أحمق، هذا حجر الذباب، وأنا قدمت في طلبه من خراساني، يجعله الملوك عندنا على موائدهم، فلا يقربها الذباب ولا يحتاجون إلى مذبة، ولا إلى مروحة، والله، لو لم تبعني إياه إلا بخمسمائة دينار، لاشتريته منك.
قال: فشهق شهقة، قدرت أن تلف، ثم أفاق منها بعد ساعة، وافترقنا.
وخرجت بعد أيام إلى خراسان والحجر معي، فبعته على نصر بن أحمد أميرها بعشرة آلاف درهم.
يوسف بن وجيه صاحب عمان
يذعن لحكم مستشاريه
حدثني أبو عبد الله محمد بن أحمد بن سعيد العسكري، قال: كان عندنا بعسكر مكرم شيخ أصبهاني مشهور يعرف بالكافوري، يتجر في الجوهر، وكان حسن البصيرة بها.
فأخبرني إنه اشترى فصين، وباعهما مالكهما على أنهما بجاذيان، ولم يعرفهما، قال: فعرفتهما أنا، وعلمت أنهما بلخش، وهو جنس يشبه الياقوت الأحمر، فاشتريتهما منه بثلثمائة درهم، وجلوتهما بالبصرة، فخرج لهما من الماء أمر عظيم.
واتفق أن خرجت إلى عمان، وهما معي، فعرضتهما على يوسف ابن وجيه، الأمير، وادعيت أنهما ياقوت أحمر، فعرضتهما لكل جوهري، فكانوا يصدقونني.
فابتاعهما مني، بعد خطوب طويلة ومراوضات، بخمسين ألف درهم، وقبضت الثمن.
ثم شك فيهما، فأحضرني، وطالبني بالمال.
فقلت: إن كنت تريد أخذ المال باليد والقدرة، فأنت السلطان مالي بك قوة، وإن كنت تريد أخذه بحجة، فبيني وبينك أهل الصنعة.
فقال: ليس بعمان من أثق بعلمه.
فقلت له: فسرديب قريبة منك، وهي المعدن فأنفذهما إلى هناك، فإن قيل إنهما ليسا بياقوت، رددت المال.
ووضعت في نفسي أن أتجر في المال، إلى أن ينكشف الأمر، فأربح فيه مالأً، ثم أرد عليه أصل ماله.
قال: فضمنني المال على الشرط والمقام، وأنفذ الفصين.
فلما كان بعد سنة، أو قريباً منها، أحضرني، وأخرج كتباً إليه من وكيله هناك، يذكر فيها أنه جمع أهل الصنعة بسرنديب كلهم، وعرض عليهم الفصين، فقالوا: هما ياقوت أحمر، إلا أنه فيه رخاوة، ولو كان أصلب من هذا، ما كان له قيمة، وأن هذا ياقوت ليس هو من هذا المعدن.
فقرأت الكتب.
فقال: رد المال.