أحب الرشيد أن ينظر إلى أبي شعيب القلاّل كيف يعمل القلال، فأدخلوه القصر وأتوه بجمع ما يحتاج إليه من آلة العمل، فبينا هو يعمل إذ هو بالرشيد قائماً فوق رأسه، فلما رآه نهض قائماً. فقال له الرشيد: دونك ما دُعيت له، فإني لم آت بك لتقوم لي، وإنما أتيت بك لتعمل بين يدي. قال: وأنا لم آتك ليسوء أدبي، وإنما أتيتك لأزداد بك في كثرة صوابي. قال له الرشيد: بلغني أنك إنما تعوّضت بي حين كسدت صنعتك.
فقال أبو شعيب: يا سيد الناس، ما كساد عملي في جلال وجهك؟ فضحك الرشيد حتى غطى وجهه. ثم قال: ما رأيت - والله - أنطق منه أولاً، ولا أعيا آخراً. ينبغي أن يكونر هذا أعقل الناس أو أجن الناس.
هاج بأبي علقمة الدم، فأتوه بحجام يحجمه، فقال له: أنق غسل المحاجم، واشدد قصب الملازم، وأرهف ظبات المشارط، وأسرع الوضع، وعجل النزع، وليكن شرطك وخزاً، ومصك نهزا، ولا تكرهن أبيا، ولا تردن أتيا. فوضع الحجام محاجمه في جونته وقال: اسقوا هذا شربة، فإنه إلى الدواء أحوج منه إلى الحجامة.
قال بعضهم: رأيت بمكة زنجياً قد خرج من كنيف يكنسه، وعل عنقه حرة، وفي رجله لبنة، وهو يقول:
جنباني ديار هند وسعدى ... لم أكن راضياً بدار هوان
قال: فقلت: ويحك! وأي هوان أعظم مما أنت فيه؟ فقال: تنح عني، ولا تقذرني.
قال بعضهم: رأيت سماكاً بين يديه حرى منتن، وهو يقول: من يشتري الشنة حزافا؟.
قال أبو هفان: سمعت في بعض أصحاب السماد بالبصرة من يقول: اشتريت في ضيعتنا هذه سماداً بألف وستمائة دينار ما كان في جميعه جعس تأخذه العين.
قال: دعا حجام كناسين.
كانوا يسمون الحائك أخضر العين والأكار أخضر النواجذ.
استحضر عبيد الله بن سليمان الوزير حجاماً غريباً وقال: قد تبرمت بحجامي لكثرة فضوله، فأحضروه شيخاً، فلما أخذ آلته قال عبيد الله: " أعط القوس باريها " فقال: أيها الوزير، ما أول هذا البيت؟ فقال عبيد الله: الله أكبر! هربنا من فضولي ووقعنا فيما هو شر منه، هات أنت، ما أوله؟ فقال الحجام: أنشدنا الرياشي بمكة:
يا باري القوس برياً ليس يحسنه ... أفسدت قوسك أعط القوس باريها
قيل للحجام: قبيس، لأن المسان التي لهم تحمل من جبل أبي قبيس: كان بالبصرة رئيس للكناسين يقال له: أبو إبراهيم، فقال له محمد بن سليمان يوماً: احمل مائة سفينة إلى النخل وخذ ثمنها مع المائة التي كنت حملتها فقال: تلك المائة كنت جعلتها طمعةً للأمير.
قال الأصمعي: شر الناس الدلالون، لأن أول من دلّ إبليس، حيث قال لآدم: " هل أدلّك على شجرة الخلد وملك لا يبلى " .
وقال غيره: نعم المعين على البيع والابتياع وعلى الألفة والاجتماع الدلالون.
استأجر رجل حمالاً ليحمل قفصاً فيه قوارير على أن يعلّمه ثلاث خصل ينتفع بها، فلما بلغ ثلث الطريق قال: هات الخصلة الأولى؟ فقال: من قال لك إن الجوع خير من الشبع فلا تصدقه، فقال: نعم، فلّما بلغ نصف الطريق قال: هات الثانية؟ فقال: من قال لك: المشي خير من الركوب فلا تصدقّه. قال: نعم، فلما انتهى إلى باب الدار قال: هات الثالثة؟ قال: من قال لك: إنه يوجد حمّال أرخص منك فلا تصدقه. فرمى الحمال بالقفص وقال: من قال لك: بقي في القفص قارورة صحيحة فلا تصدقه.
الباب العشرون
نوادر ابن أبي عتيق
دخل على عائشة - وكانت عمّته - في مرضها الذي ماتت فيه، فقال: كيف أصبحت؟ جعلني الله فداك، قالت: أجدني ذاهبة. قال: فلا إذن.
كانت له جارية، ولها صديق، فكان يجيء كل عشية فيصيح من الباب: اقدحوا لنا ناراً، فتخرج إليه الجارية. فخرجت الجارية مرة إلى البستان، وجاء الرجل على العادة فقال: اقدحوا لنا نارا. فصاح ابن أبي عتيق: يا هذا، قدّاحنا في هذه الليلة في البستان.
قال: بينا هو مرّة على سطحه، وجارية له تعشّيه، إذ مطرت عليه حجارة من فوق السطح، فأشرف فإذا فتىً يرمي بها ويؤذن الجارية بمجيئه. فقال له: عافاك الله. الساعة تعشّيني وتنزل إليك.