حكى الصاحب رحمه الله عن الإيجي عن ابن دريد قال: سمعت أبا حاتم يقول: فاتني نصف العلم، فقلت: وكيف ذاك؟ قال: تصدرت ولم أكن للتصدر أهلاً، واستحييت أن أسأل من دوني، واختلف إلى من فوقي، فذلك الجهل إلى اليوم في نفسي.
وحكى عن ابن المنجم قال: كنت أحضر وأنا صغير مجلس ثعلب فأراه ربما سئل عن خمسين مسألة وهو يقول: لا أدري، لا أعلم، لم أسمع.
وحكي عن ابن كامل عن أبي العيناء قال: سمعت أبا زيد يقول: يا أهل البصرة، جئتكم بالقليل الصحيح.
مد الشعبي يده على مائدة قتيبة بن مسلم يلتمس الشراب، فلم يدر صاحب الشراب أأللبن يريد أمِ العسل أم الماء، فقال له: أي الأشربة أحب إليك؟ قال: أعزها مفقوداً، وأهونها موجوداً، قال قتيبة: اسقه ماءً.
قال أبو عمرو بن العلاء: لو كانت ربيعة فرساً لكان شيبان غرتها.
قيل لأبي عبيدة: إن الأصمعي قال: بينا أبي يساير سلم بن قتيبة على فرس له، فقال أبو عبيدة: سبحان الله! " المتشبع بما لم يؤت كلابس ثوبي زور " والله ما كان يملك أبوه دابة إلا في ثيابه.
وقال رجل بين يدي أبي عبيدة: إن الأصمعي دعيٌّ، فقال أبو عبيدة: كذبت، لا يدّعي أحد إلى أصمع.
قال أبو عمرو: غاية المدح أن يمدحك من لا يريد مدحك، وغاية الذم أن يذمك من لا يريد أن يذمك.
وقال أبو عمرو: لا يزال الإنسان بخير ما اشتد ضرسه وأيره.
قال بعضهم: كنت أمشي مع الخليل فانقطع شسع نعلي، فخلع نعله، فقلت: ما تصنع؟ فقال: " أواسيك في الحفاء " .
قيل للمفضل: لم لا تقول الشعر وأنت من العلماء به؟ قال: علمي به يمنعني منه.
قال الخليل: أشتهي أن أكون عند الله من أرفع الناس، وعند الناس من أوسط الناس، وعند نفسي من أسفل الناس.
قال رجل للمبرّد: أسمعني فلان في نفسي فاحتملته، ثم أسمعني فيك فجعلتك أسوتي واحتملته، فقال له: ليسا سواءً، احتمالك في نفسك حلم، وفي صديقك غدر.
قال الخليل: أخرج من منزلي فألقى رجلاً من أربعة: رجلاً أعلم مني فهو يوم فائدتي، أو رجلاً مثلي فهو يوم مذاكراتي، أو تعلماً مني فهو يوم ثوابي، أو رجلاً دوني في الحقيقة، وهو يرى أنه فوقي، يحاول أن يتعلم مني وكأنه يعلّمني، فذاك لا أهتم به ولا أنظر إليه.
قال محمد بن مناذر: كنت مع الخليل فلقي صديقاً له قد ولي عملاً، فعذله وقال له: أمكنت هؤلاء من خلاقك يرتكضون فيه، ومن دينك يترامون به، فاعتذر إليه الرجل، فما مضت الأيام حتى ولي الخليل ضياع يزيد بن حاتم فلقيه الرجل فقال: نهيتني عن شيء وأوتيته! فقال الخليل:
اعمل بعلمي وإن قصّرت في عملي ... ينفعك علمي ولا يضررك تقصيري
لما عزم الرشيد على الحج قال لجلسائه، وفيهم الأصمعي، من يُعادلني على ألا يسكت؟ فصكتوا إلا الأصمعي، فإنه ضمن معادلته على الوفاء بهذه الشريطة، فلما استويا في القبة أخذ في كتاب المبتدأ، فلم يزل يسوقه حتى استتمه في آخر معادلته إياه.
قال الخليل: من استعمل الجزم في وقت الاستغناء عنه استغنى عن الاحتيال في وقت الحاجة إليه.
كان يونس يقول: " إذا شهر لك الأحمق سيفاً فتوقه بجنة الرفق " .
قال أبو عمرو بن العلاء: الغبن غبنان: الغلاء والرداءة، فإن استجدت الشرى ذهب أحد الغبنين.
قال جحظة: قال لي ثعلب: " المرأة الصالحة كالغراب الأعصم " ، وهو الأبيض الرجلين، ولا يكاد يوجد.
قال الصولي: كنا عند ثعلب فغضب على واحد، ثم سكن بعد إفراط فقال: حدثنا من رأى العتابي يخاصم - وقد زاد في القول فعوتب - فقال: " إذا تشاجرت الخصوم طاشت الحلوم، ونُسيت العلوم " .
قال أبو موسى الحامض قرئ على ثعلب من كتاب بخط ابن الأعرابي خطأ، فقيل: أفنغير؟ قال: دعوه ليكون عذراً لمن أخطأ " .
وقف رجل حسن الشارة، جميل البزة حلو الإشارة، على المبرد فسأله عن مسألة، فأحال ولحن وتسكع، فقال له المبرد: يا هذا أنصفنا من نفسك إما أن تلبس على قدر كلامك، وإما أن تتكلم على قدر بزتك.
قال المبرد: كانت في أخلاق الحسن بن رجاء شراسة، وفي كفه ضيق، فكتبت إليه: الناس - أعز الله الأمير - رجلان: حر وعبد، فثمن الحر الإكرام، وثمن العبد الإنعام، فأصلحه هذا القول - لي ولغيري - مدة ثم رجع إلى طبعه.
وقال المبرد: إذا عمل الرجل كتاباً أو قال شعراً فقد استهدف، فإن أحسن فقد استشرف، وإن أساء فقد استقذف.