هي نار أبي سريع، وهو العرفج، لأن العرفج إذا التهبت فيه النار أسرعت وعظمت وشاعت واستفاضت أسرع من كل شيء، فمن كان يقربها يزحف عنها ثم لا تلبث أن تنطفئ من ساعتها، في مثل تلك السرعة فيحتاج الذي زحف عنها، إلى أن يزحف إليها من ساعته، فلا تزال ولا يزال المصطلى بها كذلك، فمن أجل ذلك قيل لها نار الزحفتين.
ونار أخرى: وهي التي يذكر العرب أن الغيلان توقدها بالليل للعبث والتخييل وإضلال السابلة.
ونار أخرى: وهي مذكورة على الحقيقة لا على المثل، وهي من أعظم مفاخر العرب وهي النار التي ترفع للسفر ولمن يلتمس القرى، فكلما كانت أضخم وموضعها أرفع، كانت أفخر، قال الشاعر:
له نار تشب بكل وادٍ ... إذا النيران ألبست القناعا
نار الإياب:
ونار أخرى: وهي التي توقد للقادم من سفر سالماً غانماً، قال:
يا لبيني أوقدي النارا ... إن من تهوين قد حارا
حار: رجع. قال الله تعالى: " إنه ظن أن لن يحور بلى " أي لن يرجع.
نار العار:
ونار أخرى: كانت العرب إذا غدر الرجل بجار، أوقد له ناراً بمنى أيام الحج على الأخشب، وهو الجبل المطل على منى ثم صاحوا: هذه غدرة فلان فيدعو عليه الناس قالت امرأة من بني هاشم:
فإن تهلك فلم تعرف عقوقا ... ولم توقد لنا بالغدر نارا
وقال بعض الحكماء: النيران أربعة: نار تأكل وتشرب، وهي نار المعدة، ونار لا تأكل ولا تشرب وهي نار الحجر، ونار تشرب ولا تأكل وهي نار البرق، ونار تأكل ولا تشرب وهي نار الحطب.
ويقال أيضاً: النيران أربعة: فنار تشرب ولا تأكل، ونار تأكل ولا تشرب، ونار تأكل وتشرب، ونار لا تأكل ولا تشرب؛ فأما النار التي تشرب ولا تأكل فهي النار التي هي من الشجر، والنار التي تأكل ولا تشرب فناركم هذه، والنار التي لا تأكل ولا تشرب فالنار التي في الحجر، والنار التي تأكل وتشرب فنار جهنم.
الباب الثامن
وصايا العرب
أخبرنا الصاحب إسماعيل بن القاسم عن الأبجي عن محمد بن الحسن عن أبي نصر، عن الأصمعي قال: سمعت أعرابياً يقول لبنيه وهو يوصيهم: اتقوا الظهيرة الغراء، والفلاة الغبراء، وردوا الماء بالماء.
أوصى الحارث بن كعب بنيه فقال: يا بني، قد أتت علي مائة وستون سنة ما صافحت يميني يمين غادر، ولا قنعت نفسي بخلة فاجر، ولا صبوت بابنة عم ولا كنة، ولا بحت لصديق علي بسر.
ولا طرحت عندي مومسة قناعها، ولا بقي على دين عيسى بن مريم أحد من العرب غيري وغير تميم بن مرة، وأسد بن خزيمة، فموتوا على شريعتي، واحفظوا وصيتي، إلهكم فاتقوه، يكفكم المهم من أموركم، ويصلح لكم حالكم، وإياكم والمعصية، يحل بكم الدمار ويوحش منكم الديار، وكانوا جميعاً، ولا تفرقوا فتكونوا شيعاً، بزوا قبل أن تبزوا، فموت في عز، خير من حياةٍ في ذل وعجز، فكل ما هو كائن كائن، وكل جمع إلى تباين، والدهر صرفان: صرف بلاءٍ وصرف رخاء. واليوم يومان: يوم حبرة ويوم عبرة، والناس رجلان: رجل معك، ورجل عليك. زوجوا النساء من الأكفاء وإلا فانتظروا بهن القضاء، وليكن طيبهن الماء، وإياكم والورهاء فإنها أدوأ الداء.
يا بني: قد أكلت مع أقوام، وشربت مع أقوام، فذهبوا وغبرت وكأني بهم قد لحقت. ثم أنشأ يقول:
أكلت شبابي وأفنيته ... وأمضيت بعد دهورٍ دهورا
في أبيات أخر: قال أبو عمرو بن العلاء: أنكح ضرار بن عمرو الضبي ابنته من معبد بن زرارة، فلما أخرجها إليه قال: يا بنية أمسكي عليك الفضلين: فضل الغلمة، وفضل الكلام، ضرار هو الذي رفع عنزته بعكاظ وقال: " ألا إن شر حائل أم، فزوجوا أمهات " ، وذلك أنه صرع بين القنا، فأشبل عليه إخوته لأمه حتى أنقذوه.
لما حضرت قيس بن عاصم الوفاة، دعا بنيه فقال: يا بني احفظوا عني، فلا أحد أنصح لكم مني. إذا مت، فسودوا كباركم ولا تسودوا صغاركم، فيسفه الناس كباركم وتهونوا عليهم، وعليكم باستصلاح المال، فإن منبهة للكريم، ويستغني به عن اللئيم، وإياكم ومسالة الناس فإنها أخر كسب المرء.
لما أقام ابن قميئة بين العقابين قال له أبوه: أطر رجليك، وأصر إصرار الفرس، واذكر أحاديث غدٍ، وإياك وذكر الله في هذا الموضع فإنه من الفشل.