نعم كأني بها يا أمير المؤمنين في ذلك اليوم وعليها برد زبيدي كثيف الحاشية، وهي على جمل أرمك وقد أحيط حولها وبيدها سوط منتشر الضفيرة، وهي كالفحل يهدر في شقشقته، تقول: " يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم " . إن الله قد أوضح الحق، وأبان الدليل، ونور السبيل، ورفع العلم؛ فلم يدعكم في عمياء مبهمة، ولا سوداء مدلهمة، فإلى أين تريدون رحمكم الله؟ أفراراً عن أمير المؤمنين، أم فراراً من الزحف، أم رغبة عن الإسلام، أم ارتداداً عن الحق؟ أسمعتم الله عز وجل يقول: " ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلوا أخباركم. " ثم رفعت رأسها إلى السماء وهي تقول: اللهم قد عيل الصبر، وضعف اليقين، وانتشرت الرعية، وبيدك يا رب أزمة القلوب، فاجمع إليه كلمة التقوى، وألف القلوب على الهدى، واردد الحق إلى أهله هلموا رحمكم الله إلى الإمام العادل، والوصي الوفي، والصديق الأكبر، إنها إحن بدرية، وأحقاد جاهلية، وضغائن أحدية وثب بها معاوية حين الغفلة، ليدرك بها ثارات بني عبد شمس.
ثم قالت: " فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا إيمان لهم لعلهم ينتهون " صبراً معشر المهاجرين والأنصار، قاتلوا على بصيرة من ربكم، وثبات من دينكم؛ فكأني بكم غداً قد لقيتم أهل الشام كحمر مستنفرة فرت من قسورة، لا تدري أين يسلك بها في فجاج الأرض باعوا الآخرة بالدنيا، واشتروا الضلالة بالهدى، وباعوا البصيرة بالعمى. " وعما قليل ليصبحن نادمين " تحل بهم الندامة فيطلبون الإقالة. إنه والله من ضل عن الحق وقع في الباطل، ومن لم يسكن الجنة نزل النار.
أيها الناس، إن الأكياس استقصروا عمر الدنيا فرفضوها، واستبطئوا الآخرة فسعوا لها. والله أيها الناس لولا أن تبطل الحقوق، وتعطل الحدود، ويظهر الظالمون. وتقوى كلمة الشيطان، لما اخترنا ورود المنايا على خفض العيش وطيبه. فإلى أين تريدون رحمكم الله؟ عن ابن عم رسول الله صلى الله عليه، وزوج ابنته، وأبي ابنيه، خلق من طينته، وتفرع من نبعته، وخصه بسره، وجعله باب مدينته، وعلم المسلمين وأبان ببغضه المنافقين. فلم يزل كذلك يؤيده الله عز وجل بمعونته، وبمضي على سنن استقامته، لا يعرج لراحة الدار.
ها هو مفلق الهام، ومكسر الأصنام، إذ صلى والناس مشركون، وأطاع والناس مرتابون، فلم يزل كذلك حتى قتل مبارزي بدر، وأفنى أهل أحد، وفرق جمع هوازن. فيا لها من وقائع زرعت في قلوب قوم نفاقاً، وردة وشقاقاً. قد اجتهدت في القول، وبالغت في النصيحة وبالله التوفيق 376 وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
فقال معاوية: والله يا أم الخير ما أردت بهذا الكلام إلا قتلي. ووالله لو قتلتك ما حرجت في ذلك. قالت: والله ما يسوءني يا بن هند أن يجري الله ذلك على يدي من يسعدني بشقائه. قال: هيهات يا كثيرة الفضول: ما تقولين في عثمان بن عفان؟ قالت: وما عسيت أن أقول فيه؟ استخلفه الناس وهم كارهون، وقتلوه وهم راضون.
فقال معاوية: إيهاً يا أم الخير. هذا والله أوصلك الذي تبنين عليه. قالت: " لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه والملائكة يشهدون وكفى بالله شهيدا " ما أردت لعثمان نقصاً. ولقد كان سباقاً إلى الخيرات وإنه لرفيع الدرجة. قال: فما تقولين في طلحة بن عبيد الله؟ قالت: وما عسى أن أقول في طلحة؟ اغتيل من مأمنه، وأتي من حيث لم يحذر. وقد وعده رسول الله صلى الله عليه وسلم الجنة.
قال: فما تقولين في الزبير؟ قالت: يا هذا لا تدعني كرجيع الضبع يعرك في المركن قال: حقاً لتقولين ذلك. وقد عزمت عليك. قالت: وما عسيت أن أقول في الزبير ابن عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم وحواريه؟ وقد شهد له رسول الله صلى الله عليه بالجنة. ولقد كان سباقاً إلى كل مكرمة من الإسلام. وإنى أسألك بحق الله يا معاوية؛ فأن قريشاً تحدث أنك من أحلمها، فأنا أسألك بأن تسعني بفضلك، وأن تعفيني من هذه المسائل. وامض لما شئت من غيرها. قال: نعم وكرامة قد أعفيتك، وردها مكرمة إلى بلدها.
ذكر أن الجمانة بنت المهاجربن خالد بن الوليد نظرت إلى عبد الله بن الزبير وهو يرقى المنبر، يخطب بالناس في يوم جمعة فقالت حين رأته رقى المنبر: أيا نقار انقر. أما والله لو كان فوقه نجيب من بني أمية، أو صقر من بني مخزوم لقال المنبر: طيق طيق. قال: