وذكر بعضهم أنه أكل معه، فأتوا بثريدة عظيمة؛ فلما أمعن فيه وجد في وسطها قصعةً مكبوبة، والثريد فوقها.
وذكر بعض من كان ينادم بعض كبراء هذا الوقت. قال: أكلت معه من قصعة واحدةٍ؛ فكان الذي يليه من الثريد خبز حواري، والذي يليني خبز خشكار.
قل أبو سهل الرازي القاضي: دخلت على يحيى بن أكثم يوماً، والمائدة بين يديه، والغلام واقف؛ فقال لي: يا محمد، هذا غلامي، يأتي علي وقتٌ لا أدري ما اسمه؛ وهذا حدا سلم الحادي بالمنصور في طريقه إلى الحج؛ فحدا يوماً بقول الشاعر:
أغر بين حاجبيه نوره ... يزينه حياؤه وخيره
ومسكه يشوبه كافوره.
فطرب المنصور حتى ضرب برجله المحمل، ثم قال: يا ربيع؛ أعطه نصف درهم؛ فقال سلم: نصف درهمٍ يا أمير المؤمنين؟ والله لقد حدوت لهشامٍ فأمر لي بثلاثين ألف درهم؛ فقال له المنصور: ما كان له أن يعطيك ثلاثين ألف درهمٍ من بيت مال المسلمين. يا ربيع، وكل به من يستخرج منه هذا المال. قال الربيع: فما زلت أسفر بينهما حتى شرط عليه ألا يلزمه مئونةً في خروجه وقفوله، ويحدو له.
تزوج عمرو بن حريث ابنة أسماء بن خارجة؛ فقالت له يوماً: ما أحسبك وأبي تقرآن من كتاب الله إلا حرفين. قال: وما هما؟ . قالت: كان أبي يقرأ: " وما أنفقتم من شيءٍ فهو يخلفه وهو خير الرازقين " وأنت تقرأ: " إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين " .
قال أبو العيناء: دعاني جارٌ إلى وليمةٍ، وكان بخيلاً، فرأيته يدور على المائدة ويتنفس الصعداء، ويقول: " وجزاهم بما صبروا جنةً وحريراً " .
قال محمد بن أبي المعافى: كان أبي متنحياً عن المدينة، وكانت إلى جنبه مزرعةٌ فيها قثاء، وكنت صبياً قد ترعرعت؛ فجاءني من جيراننا أقرانٌ لي، وكلمت أبي ليهب لي درهماً أشتري لهم به قثاء، فقال لي: أتعرف حال الدرهم؟ كان في حجرٍ في جبلٍ، فضرب بالمعاول حتى استخرج، ثم طحن، ثم أدخل القدور، وصب عليه الماء، وجمع بالزئبق، ثم أدخل النار فسبك، ثم أخرج فضرب، وكتب في أحد شقيه: لا إله إلا الله. وفي الآخر: محمدٌ رسول الله. ثم صير إلى أمير المؤمنين فأمر بإدخاله بيت ماله، ووكل به عوج القلانس، صهب السبال، ثم وهبه لجاريةٍ حسناء جميلة. وأنت والله أقبح من قرد، أو رزقه رجلاً شجاعاً، وأنت والله أجبن من صفرر، فهل ينبغي لك أن تمس الدرهم إلا بثوبٍ؟ .
حكى بعضهم أنه أكل على مائدة بعضهم، قال: فطافت علينا هرةٌ وصاحت: فألقيت إليها لقمةً من حواري؛ فقال صاحب الدار: إن كان ولا بد فمن الخشكار.
وذكر غيره أنه كان في دعوة بعض التجار المياسير، فألقى للسنور لقمة خبزٍ، ثم أراد أن يثنيها؛ فقال التاجر: دع، فليست الهرة لنا، إنما هي للجيران.
كان زياد بن عبيد الله الحارثي على المدينة، وكان فيه جفاءٌ وبخلٌ، فأهدى إليه كاتبٌ له سلاسلاً فيها أطعمة، قد تنوق فيها، فوافقه وقد تغدى، فقال: ما هذا؟ . قالوا: غذاءٌ بعث به الكاتب، فغضب وقال: يبعث أحدهم ابن اللخناء بالشيء في غير وقته. يا خيثم بن مالك - يعني: صاحب الشرط - ادع أهل الصفة يأكلون هذا. فبعث خيثم الحرس يدعون أهل الصفة. فقال الرسول الذب جاء بالسلال: أصلح الله الأمير. لو أمرت بهذه السلال تفتح وينظر إلى ما فيها. قال: اكشفوها، فكشفت؛ فإذا طعامٌ حسنٌ من سمكٍ ودجاج وفراخٍ وجداء، وأخبصة وحلوى؛ فقال: ارفعوا هذه السلال. قال: وجاء أهل الصفة؛ فقال: ما هذا؟ . قالوا: أهل الصفة، أمر الأمير بإحضارهم؛ فقال: يا خيثم، اضربهم عشرة أسواط. فإنه بلغني أنهم يفسون في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
الباب الثاني عشر
كلام الشطار
ومن يجري مجراهم، ونوادرهم
حكى بعضهم أن شاطراً افتخر. قال: فحفظت من كلامه: