ثم قالت اعلمي أيتها الموسومة بسلامة الصدر الموصوفة بسمو المنزلة وعلو القدر أن الله ما قارن اسمي باسمك ولا قابل صورة جسمي بجسمك إلا لمناسبة عظيمة وألفة بيننا قديمة فلا تشتمي بنا الأعداء وتسيئي الأحباء والأودّأء فإن لك من أعظم الرزايا وأشد المحن والبلايا.
كل المصائبِ قد تمر على الفتى
فتهون غير شماتة الأعداءِ
ألا وإن العبد محل النّقص والخلل وهل يسوغ لأحدٍ أن يبرئ نفسه من الزلل ومن يسلم من القدح ولو كان أقوم من القدح.
ومن ا الذي ترضى سجاياه كلّها
كفى المرء فضلاً أن تعد معايبه
هذا وإن لي مفاخر لا تنكر ومآثر تجل عن أن تحصر كما أنك في الفضل أشهر من نار على علم وأجل من أن يحصى ثناء عليك لسان القلم فإلى متى ونحن في جدال وجلاد نتطاعن بأسئلة ألسنة حداد وهل ينبغي أن يجر بعضنا على بعض ذيل الكبر والصلف ولكن عفا الله عما سلف وهذه لعمري حقيقة أمري فانظري إلي بعين الرضا واصفحي بحقك عما مضى ولما سمعت (السماء) هذه المقالة التي تجنح إلى طلب السلم والإقالة قالت لها مآرب لا حفاوة ومشرب قد وجدت له حلاوة وما ندبت إليه من المودة والإلفة فلأمر ما جدع قصير أنفه ولو لم تلقي إلي القياد لعاينت مني ما دونه خرط القتاد ولكن لا حرج عليك ولا ضير فإنك اخترت الصلح والصلح خير وكيف جعلت العتاب شرطاً بين الأحباب أو ما سمعت قول بعض أولي الألباب.
إذا كنت في كل الأمور معاتباً
صديقك لم تلق الذي لا تعاتبهُ
وإن أنت لم تشرب مراراً على القذى
ظمئتَ وأيُّ الناس تصفو مشاربهُ
وهأنا رادة إليك عوائد إحساني وموائد جودي وامتناني فقري عيني وطيبي نفساً وتيهي ابتهاجاً وأنساً وأبشري ببلوغ الوطر وزوال البؤس والخطر فسجدت الأرض شكراً وهامت نشوة وسكراً وتهلل وجهها سروراً وامتلأت طرباً وحبوراً.
"مناظرة بين فصول العام لابن حبيب الحلبي المتوفى سنة 401 ه"