FluentPlex

The Barmakids

الفتى العاشق وجعفر

نص أصلي Public domain

اقرأ مع القاموس

فنسي الحاجب ما قال فجاء عبد الملك بن صالح الهاشمي، وكان رجلاً من بني هاشم ذا ملاحة وعلم وحلم وجلالة قدر وفخامة ذكر وصيانة وديانة، فظن الحاجب أنه الذي أمره بإدخاله عليهما، فلما رآه جعفر تغير لونه ورآهم عبد الملك بن صالح على تلك الحالة، وظهر له أنهم احتشموه فأراد أن يرفع خجله وخجلهم بمشاركته لهم في فعلهم فقال: اصنعوا بنا ما صنعتم بأنفسكم.

فجاءه الخادم فطرح عليه ثياب المنادمة ثم جلس للشراب،فلما بلغ ثلاثاً قال للساقي: لتخفف عني فإني ما شربته قط.

فتهلل وجه جعفر فقال له: هل من حاجة تبلغها مقدرتي وتحيط بها نعمتي فأقضيها لك مكافأة لما صنعت.؟ قال: بلى، إن أمير المؤمنين علي غاضب، فسله الرضا عني.

قال: قد رضي عنك أمير المؤمنين.

قال: علي أربعة آلاف دينار.

قال: هي لك حاضرة من مال أمير المؤمنين.

قال: وابني إبراهيم أريد أن أشد ظهره بصهر من أمير المؤمنين.

قال: قد زوجه أمير المؤمنين بابنته عائشة.

قال: وأحب أن تخفق الألوية على رأسه.

قال: نعم، قد ولاه أمير المؤمنين مصر.

قال إبراهيم بن المهدي، فانصرف عبد الملك بن صالح وأنا أتعجب من إقدام جعفر على قضاء الحوائج من غير استئذان. فلما كان من الغد وقفنا على باب الرشيد ودخل جعفر فلم نلبث أن دعا بأبي يوسف القاضي ومحمد بن واسع وإبراهيم بن عبد الملك فعقد له النكاح وحملت البدر إلى منزل عبد الملك وكتب سجل إبراهيم على مصر وخرج جعفر فأشار إلي فلما سار إلى منزله ونزلت بنزوله التفت إلي وقال: لعل قلبك معلق بأمر عبد الملك بن صالح فأحببت معرفة خبره.

قلت: نعم.

قال لي: لما دخلت على أمير المؤمنين وتمثلت بين يديه وابتدأت القصة من أولها إلى آخرها، كما كانت، قال الرشيد: أحسن والله أحسن والله. ثم قال: ما صنعت؟ فأخبرته عما سأل وبما أجبته في ذلك فقال: أحسنت. وخرج إبراهيم والياً على مصر من يومه والله تعالى أعلم.

الفتى العاشق وجعفر

قال إبراهيم بن إسحاق: كنت منقطعاً إلى البرامكة، فبينما أنا ذات يوم بمنزلي وإذا ببابي يدق فخرج غلامي وعاد وقال لي: على الباب فتى جميل يستأذن، فأذنت له، فدخل شاب عليه أثر السقم، فقال: لي مدة أحاول لقاءك ولي إليك حاجة.

فقلت: وما هي؟ فأخرج ثلاثمائة دينار فوضعها بين يدي. وقال: أسألك أن تقبلها مني وتصنع لي لحناً في بيتين قلتهما.

فقلت: أنشدنيهما فقال:

بالله يا طرفي الجاني على كبدي ... لتطفئن بدمعي لوعة الحزن

لا لا أبوحن حتى تنزلي سكني ... فلا أراه ولو أدرجت في كفني

قال: فصنعت لهما لحناً يشبه النوح ثم غنيته فأغمي عليه حتى أني ظننت أنه مات ثم أفاق، وقال: أعده فناشدته الله وقلت: أخشى أن تموت فقال: ليت ذلك، وما زال يخضع ويتضرع حتى رحمته وأعدته فصعق صعقةً أشد من الأولى، فلم أشك في موته وما زلت أنضح عليه من ماء الورد حتى أفاق ثم جلس، فحمدت الله على السلامة ووضعت دنانيره بني يديه وقلت: خذ مالك وانصرف عني.

فقال: لا حاجة لي بها ولك مثلها إن أعدته.

فشرهت نفسي فقلت: أعيده ولكن بثلاث شروط، أولها تقيم عندي تأكل من طعامي حتى تتقوى نفسك؛ الثاني أن تشرب من الشراب ما يمسك قلبك؛ الثالث أن تحدثني بحديثك.

ففعل ذلك ثم قال: إني رجل من أهل المدينة خرجت متنزهاً، وقد سال المطر في العقيق، مع إخواني فرأيت فتاة مع فتيات كأنها غصن جلله الندى، تنظر بعيني ما ارتد طرفهما إلا بنفس ملاحظهما، فظللن حتى فرغ النهار، فانصرفن وقد رمت بقلبي جراحاً بطيئة الاندمال، فعدت أتنسم أخبارها فلم أجد أحداً يرشدني إليها فجعلت أتتبعها في الأسواق فلم أقع لها على خبر، ومرضت أسىً، وحكيت قصتي لذات قرابة لي فقالت: لا بأس عليك، هذه أيام الربيع ما انقضت وستمطر السماء فتخرج حينئذ، وأنا أخرج معك فافعل مرادك.

قال: فاطمأنت نفسي بذلك إلى أن سال العقيق وخرج الناس ينظرون فخرجت مع إخوتي وقرابتي، فجلسنا في مجلسنا بعينه فما لبثنا إلا والنسوة كفرسي رهان فقلت لذات قرابتي: قولي لهذه الجارية يقول لك هذا الرجل: لقد أحسن من قال:

رمتني بسهم أقصد القلب وانثنت ... وقد عاودت جرحاً به وندوبا

قال: فمضت إليها وقالت لها ذلك، فقالت لها: قولي له، وقد حسن من أجابه:

مرّر المؤشر فوق أي كلمة في هذه الصفحة لترى معناها

مع حساب مجاني، مرّر المؤشر فوق أي كلمة في المكتبة لترى معناها، واستمع إليها مقروءة بصوت عالٍ، واحفظ الكلمات لمراجعتها في مواعيد تناسب ذاكرتك، واعرف مقدار ما تعرفه من كل كتاب.

أنشئ حسابًا مجانيًا