بنا مثل ما تشكو فصبراً لعلنا ... نرى فرجاً يشفي القلوب قريبا
قال: فأمسكت عن الكلام خوف الفضيحة، وقمت منصرفاً، فقامت لقيامي فتبعتها قرابتي حتى عرفت منزلها، ورجعت فأخذتني، وسرنا إليها حتى اجتمعنا. واتصل ذلك حتى شاع وطهر وحجبها أبوها. فلم أزل مجتهداً في لقائها فلم أقدر، وشكوت ذلك إلى أبي فجمع أهلنا ومضى إلى أبيها راغباً في خطبتها فقال: لو بدا له ذلك قبل أن يفضحها لفعلت ولكنه شهرها، فما كنت لأحقق قول الناس. قال إبراهيم فأعدت عليه الصوت وعرفني منزله ثم انصرف. وكانت بيننا عشرة، ثم جلس جعفر بن يحيى وحضرت على عادتي فغنيته شعر الفتى، فطرب وشرب أقداحاً وقال: ويلك! لمن هذا الصوت؟ فحدثته حديث الفتى فأمرني بالركوب إليه وأن أجعله على ثقة من بلوغ أربه، فمضيت إليه وأحضرته فاستعاد الحديث فحدثه فقال: هي في ذمتي حتى أزوجك إياها فطابت نفسه، وأقام معنا، فلما أصبح ركب جعفر إلى الرشيد وحدثه بذلك فاستظرفه، وأمر أن يحضرا جميعاً واستعاد الصوت وشرب عليه، فأمر بكتب كتاب إلى عامل الحجاز بإحضار المرأة وأهلها ووالدها مبجلين إلى حضرته، والإنفاق عليهم نفقة واسعة، فلم يمض إلا يسير حتى حضروا، فأشار الرشيد بإيصال الرجل إليه، فحضر وأمر بتزويج ابنته من الفتى، وأعطاه ألف دينار، ونقلت إلى أهله، ولم يزل الشاب من ندماء جعفر حتى حدث ما حدث فاد الفتى بأهله إلى المدينة، فرحم الله تعالى أرواحهم أجمعين.
الوزير أبو عامر والملك الناصر والغلام
حكاية أجنبية
مما اتفق أن الوزير أبا عامر أحمد بن مروان كان قد أهدي له غلام من النصارى لا تقع العيون على أحسن منه. فلمحه الملك الناصر، فقال له: أنى لك هذا؟ قال: هو من عند الله.
فقال: تتحفونا بالنجوم، وتستأثرون بالأقمار.
فاعتذر إليه ثم احتفل في هدية بعثها إليه مع الغلام، وقال له: كن داخلاً في جملة الهدية ولولا الضرورة ما سمحت بك نفسي، وكتب معه هذه الأبيات:
أمولاي هذا البدر سار لأفقكم ... وللأفق أولى بالبدور من الأرض
أرضيكم بالنفس، وهي نفيسة ... ولم أر قبلي من بمهجته يرضي
قال: فحسن ذلك عند الناصر، وأتحفه بمال جزيل، وتمكن عنده، ثم بعد ذلك أهديت للوزير جارية من أجمل نساء الدنيا، فخاف أن ينهى ذلك إلى الناصر فيطلبها، فتكون كقصة الغلام، فاحتفل في هدية أعظم من الأولى وأرسلها مع الجارية، وكتب معها هذه الأبيات:
أمولاي هذي الشمس والبدر أولاً ... تقدم كيما يلتقي القمران
قران لعمري بالسعادة ناطق ... فدم معها في كوثر وجنان
فما لهما والله في الحسن ثالث ... وما لك في ملك البرية ثان
قال: فتضاعفت مكانته عنده، ثم وشى به بعض أعدائه عند الناصر أن عنده بقية من حب الغلام، وأنه لا يزال يلهج بذكره حين تحركه الشمول، فيقرع السن على تعذر الوصول إليه. فقال الناصر للواشي: لا تحرك به لسانك، وإلا طار رأسك، وكتب على لسان الغلام ورقة فيها: يا مولاي تعلم أنك كنت لي على الانفراد، ولم أزل معك في نعيم وأنا وإن كنت عند السلطان مشاركاً في منزله محاذراً ما يبدو من سطوة الملك، فتحيل في استدعائي منه.
ثم بعثها مع غلام صغير وأوصاه أن يقول هي من عند فلان، وإن الملك لم يكلمه قط، فلما وفق عليها أبو عامر واستخبر الخادم أحس بالمكيدة، فكتب على ظهر الورقة يقول:
أمن بعد أحكام التجارب ينبغي ... لدي سقوط العير في غابة الأسد
ولا أنا ممن يغلب الحب عقله ... ولا جاهل ما يدعيه أولو الحسد
فإن كنت روحي قد وهبتك طائعاً ... وكيف يرد الروح إن فارق الجسد
فلما وقف الناصر على الجواب تعجب من فطنته، ولم يعد إلى سماع واشٍ فيه بعد ذلك، ثم قال له: كيف خلصت من الشرك؟ قال: لأن عقلي بالهوى غير مشترك.
سبب قتل البرامكة وما وقع لهم مع الرشيد
والقصة في ذلك على ما رواه إبراهيم بن إسحاق عن أبي ثور زاهر بن صقلاب قال: بلغني أنه كان لهارون الرشيد مجلس بالليل مع جعفر البرمكي. فقال له يوماً: لا يطيب لي ذلك إلا بمحضر أختي ميمونة. ولكن لا يجوز إلا إن كتبت لك عليها لإباحة النظر من غير أن تقربها.