فَخْيبَةُ مَن يُغِيرُ على غَنِىٍّ ... وباهِلَةَ بن أَعْصُرَ والرِّكابِ
وأَدَّى الغُنْمَ مَنْ أَدَّى قُشَيْراً ... ومَنْ كانَتْ له أَسْرَى كِلاَبِ
النابغة الجعدي
هو عبد الله بن قيسٍ، من جعدة بن كعب بن ربيعة، وإخوة جعدة عقيلٌ وقشيرٌ والحريش، وكان يكنى أبا ليلى، وهو جاهليٌ، وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنشده:
أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ إِذْ جاءَ بالهُدَى ... ويَتْلُو كتاباً كالمَجَرَّةِ نَيِّرَا
بَلَغَنا السَّماءَ مَجْدَنا وجُدُوَدُنا ... وإِنَّا لنَرْجُو فَوْقَ ذلك مَظْهَرا
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إلى أين أبا ليلى " ؟ فقال: إلى الجنة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن شاء الله " وأنشده:
ولا خَيْرَ في حِلْمٍ إِذَا لم تَكُنْ له ... بَوَادِرُ تَحْمِى صَفْوَهُ أَنْ يُكَدَّرا
ولا خَيْرَ في جَهْلٍ إِذَا لم يكن له ... حَلِيمٌ إِذَا ما أَوْرَدَ الأَمْرَ أَصْدَرا
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا يفضض الله فاك " : قال: فبقي عمره لم تنقض له سنٌّ.
وكان معمراً، ونادم المنذر أبا النعمان بن المنذر، وفي ذلك يقول:
تَذَكَّرْتُ والذَّكْرَى تَهِيجُ على الفَتى ... ومن حاجَةِ المَحْزُونِ أَن يَتَذَكَّرَا
نَدَاماىَ عِنْدَ المُنْذِرِ بن مُحَرَّقِ ... أَرَى اليَوْمَ منهم ظاهِرَ الأَرْض مُقْفِرَا
ويقال: إنه كان أقدم من النابغة الذبياني، لأن الذبياني نادم النعمان وهذا نادم أباه، ونسب المنذر إلى محرق وهو جده.
وعمر حتى ورد على ابن الزبير وروى له الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أنا والنبيون فراط لقاصفين " . وحتى نازع الأخطل الشعر، فغلبه الأخطل، فهو من مغلبي مضر، ومات بإصبهان وهو ابن مائتين وعشرين سنة.
وكان العلماء يقولون في شعره: خمارٌ بواف ومطرفٌ بآلاف يريدون أن في شعره تفاوتاً، فبعضه جد مبرزٍ، وبعضه ردي ساقطٌ.
ومما سبق إليه فأخذ منه قوله في صفه الفرس:
كأَنَّ مَقَطَّ شَرَاسِيفِهِ ... إلى طَرَفِ القُنْبِ فالمَنْقَب
لُطِمْنَ بتُرْس شَدِيدِ الصِّقَا ... لِ من خَشَبِ الجَوْزِ لم يُثْقَبِ
أخذه ابن مقبلٍ فقال:
كأَنَّ ما بين جَنْبَيْهِ ومَنْقَبِهِ ... من جَوْزِهِ ومَنَاطِ القُنْبِ مَلْطُومُ
بتُرْسِ أَعْجَمَ لم تَنْخَرْ مَنَاقِبُه ... ممَّا تَخَيَّرُ في آطَامِهَا الرُّومُ
وقال الجعدي:
أَرَأَيْتَ إِنْ بَكَرَتْ بلَيْلٍ هامَتِى ... وخَرَجْتُ منها بالِياً أَوْصَالِى
هل تَخْمِشَنْ إِبِلِى علىَّ وُجُوهَها ... أَو تَضْرِبَنَّ نُحُورَها بِمَآلِى
وقال الآخر:
أَرَأَيتَ إِنْ بَكَرَتْ بلَيْل هامَتى ... وخَرَجْتُ منها بالِياً أَثْوَابى
هَلْ تَخْمشَنْ إِبِلِى علىَّ وُجُوهَها ... أَو تَعْصِبَنَّ رُؤُوسَها بسِلاَبِ
ويستحسن له قوله في نساءٍ سبين:
دَعَتْنَا النَّساءُ إِذْ عَرَفْنَ وُجُوهَنَا ... دُعَاءَ نِسَاءٍ لم يُفارَقْنَ عن قِلَى
حَنِينَ الهِجانِ الأُدْمِ نادَى بِوِرْدِها ... سُقَاةٌ يَمُدُّونَ المَوَاتِحَ بالدَّلاَ
فقُلْنا لهم خَلُّوا طَرِيقَ نسائِنا ... فقالوا لنا كلاَّ فقُلْنا لهم بَلَى
فنَحْنُ غضَابٌ من مكانِ نِسَائِنَا ... ويَسْفَعُنا حَرٌّ منَ النارِ يُصْطَلَى
تفُورُ عَلَينا قِدْرُهم فنُديِمُها ... ونَفْثَؤُها عَنَّا إِذَا حَمْيُها غَلاَ
فلم أَرَ يوْماً كان أَكْثَرَ باكِياً ... ووَجْهاً تَرَى فِيه الكَآبَةَ مُجْتَلَى
ومُفْتَصَلا عن ثَدْىِ أُمٍّ تُحِبُّهُ ... عَزِيزٌ عليها أَن تُفَارِقَ مُفْتَلَى
وأَشْمطَ عُرْياناً يُشَدُّ كِتَافُه ... يُلاَمُ على جَهْدِ القِتالِ وما ائْتَلَى
وقال لامرأته حين خرج غازياً: