أَعَاذِلَ ما يُدْرِيكِ إِلاَّ تَظَنِّياً ... إِذَا رَحَلَ السُّفَّارُ مَنْ هُوَ رَاجعُ
أَتَجْزَعُ ممّا أَحْدَثَ الدَّهْرُ لِلفَتَى ... وأَىُّ كَرِيمٍ لم تُصِبْه القَوَارِعُ
لَعَمْرُكَ ما تَدْرِى الضَّوَارِبُ بالحَصَى ... ولا زاجِرَاتُ الطَّيْرِ ما اللهُ صانِعُ
ومما يستجاد له قوله أيضاً:
أَلَا كُلُّ شىءٍ ما خَلاَ اللهُ باطِلُ ... وكُلُّ نِعيمٍ لاَ مَحالَةَ زائلُ
إِذَا المَرْءُ أَسْرَى لَيْلَةً ظَنَّ أَنَّه ... قَضَى عَمَلاً والمَرْءُ ما عاشَ آمِلُ
حَبائِلُهُ مَبْثُوثَةٌ بسَبِيلِه ... ويَفْنَى إِذَا ما أَخْطَأَتْهُ الحَبائِلُ
فَقُولاَ له إنْ كان يَقْسِمُ أَمْرَهُ ... أَلَمَّا يَعِظْكَ الدَّهْرُ أُمُّكَ هابِلُ
فإِنْ أَنْتَ لم تَصْدُقْكَ نَفْسُكَ فانتَسِبْلَعلَّكَ تَهْدِيكَ القُرُونُ الأَوَائِلُ
فإن لم تَجِدْ مِنْ دُونِ عَدْنانَ والدِاً ... ودُونَ مَعَدٍّ فلْتَزَعْكَ العَوَاذِلُ
وكُلُّ امْرِىءٍ يَوْماً سَيَعْلَمُ سعْيَهُ ... إِذَا كُشِفَتْ عندَ الإلهِ المَحاصِلُ
وهذا البيت الآخر يدل على أنه قيل في الإسلام، وهو شبيه بقول الله تبارك وتعالى وحصل ما في الصدور أو كان لبيدٌ قبل إسلامه يؤمن بالبعث والحساب، ولعل البيت منحولٌ.
ومما يستجاد له قوله:
فاقْطَعْ لُبَانَةَ مَنْ تَعَرَضَ وَصْلُهُ ... ولخَيْرُ واصِلِ خُلَّةٍ صَرَّامُها
يقول: اقطع لبانتك ممن لم يستقم لك وصله، فإن أحسن الناس وصلاً أحسنهم وضعاً للقطيعة في موضعها.
ويستجاد له قوله:
واكْذِبِ النَّفْسَ إِذَا حَدَّثْتَها ... إِنَّ صِدْقَ النَّفْسِ يُزْرِى بالأَمْلْ
يقول: اكذب النفس أن تعدها الخبر وتمنيها إياهن وإذا صدقها فقال لها مصيرك إلى الهلكة والزوال أزرى ذلك بأمله، ثم قال:
غَيْرَ أَنْ لا تَكْذِبَنْها في التُّقَى ... واخْزُها بالبِرِّ للهِ الأَجَلّْ
قوله اخزها: سسها.
ومما يعاب له من هذه القصيدة:
ومَقامٍ ضيِّقٍ فَرَّجْتُهُ ... بمَقَامِى ولسانِى وجَدَلْ
لَوْ يقُومُ الفِيلُ أَوْ فَيَّالُهُ ... زَلَّ عن مِثْلِ مَقَامِى وزَحَلْ
وقالوا: ليس للفيال من الخطابة والبيان، ولا من القوة، ما يجعله مثلا لنفسه! وإنما ذهب إلى أن الفيل أقوى البهائم، فظن أن فياله أقوى الناس! قال أبو محمد: وأنا أراه أراد بقوله: لو يقوم الفيل أو فياله مع فياله فأقام أو مقام الواو.
ومما سبق إليه فأخذ منه قوله:
كَعَقْرِ الهاجِرِىِّ إِذَا بَنَاءُ ... بأَشْباهٍ حُذيِنَ على مِثَالِ
أخذه الطرماح فقال:
حَرَجاً كمِجْدَلِ هاجِرىٍّ لَزَّهُ ... بِذَوَاتِ طَبْخِ أَطيمَة لا تَخْمُدُ
قُدِرَتْ على مُثُلٍ فهُنَّ تَوَائِمٌ ... شَتَّى يُلاَئِمُ بَيْنَهُنَّ القَرْمَدُ
ذوات طبخٍ: يعني الآجر، أطيمةٍ: يعني أتونٍ.
ومن ذلك قوله وذكر نوقاً:
لها حَجَلٌ قد قَرَّعَتْ من رُءُوسِهِ ... لها فَوْقَه ممَّا تَحَلِّبُ واشِلُ
أخذه النابغة الجعدي فقال:
لها حَجَلٌ قُرْعُ الرُّؤُوسِ تَحَلَّبَتْ ... على هامَةٍ بالصَّيْفِ حتَّى تَمَوَّرَا
يعني بالحجل أولادها الصغار.
قال أبو محمد: قال لي شيخٌ من أصحاب اللغة: اجتمعت الرواة على خطأ في بيت لبيدٍ، وهو قوله:
من كُلِّ مَحْفُوفٍ يُظْلُّ عِصِيَّهُ ... زَوْجٌ عليهِ كِلَّةٌ وقِرَامُهَا
وقال: المحفوف، الهودج، والزوج: النمط، فكيف يظل النمط، وهو أسفل، العصي، وهي فوق؟ وإنما كان ينبغي أن يرووه من كل محفوف يظل عصيه زوجاً ثم يرجع إلى المحفوف فيقول عليه كلةٌ وقرامها قال أبو محمد: ولا أرى هذا إلا غلطاً منه، ولم تكن الرواة لتجتمع على هذه الرواية إلا بأخذٍ عن العرب، وأراهم كانوا يلقون أيضاً النمط، فوق الأعواد ويلقونه داخله، وأحسبني قد رأيت هذا بعينه في البادية.
ومما سبق إليه فأخذ منه قوله: