FluentPlex

Poetry and Poets

حاتم بن عبد الله الطائي

نص أصلي Public domain

اقرأ مع القاموس

وكانت أمه عنبة لا تليق سيئاً سخاء وجوداً، وكان إخوتها يمنعونها من ذلك فتأبى عليهم، وكانت موسرةً، فحبسوها في بيتٍ سنةً يرزقونها قوتاً، لعلها تكف عما كانت عليه إذا ذاقت طعم البؤس وعرفت فضل الغنى، ثم أخرجوها ودفعوا إليها صرمةً من مالها، فأتتها امرأةٌ من هوازن فسألتها، فقالت لها: دونك الصرمة، فقد، والله، مسنى من الجوع ما آليت معه ألا أمنع الدهر سائلا شيئاً! ثم أنشأت تقول:

فقُولا لهذا اللَّائِمى الآنَ أعْفِنى ... وإِنْ أَنْتَ لم تَفْعَل فعَضِّ الأَصابِعَا

ولاَ ما تَرَوْنَ اليَوْم إِلاَّ طَبِيَعةًفكَيْفَ بتَرْكِى يا ابنَ أُرِمَّ الَّطبائِعَا

قال عدي بن حاتم: كان حاتم رجلاً طويل الصمت، وكان يقول: إذا كان الشيء يكفيكه الترك فاتركه.

وقالت النوار امرأته: أصابتنا سنةٌ اقشعرت لها الأرض، واغبر أفق السماء، وراحت الإبل حدباً حدابير، وضنت المراضع عن أولادها فما تبض بقطرة، وجلفت السنة المال، وأيقنا أنه الهلاك، فوالله إني لفي ليلة صنبرٍ بعيدةٍ ما بين الطرفين، إذ تضاغى أصيبيتنا من الجوع، عبد الله وعدي وسفانة، فقام حاتم إلى الصبيين، وقمت إلى الصبية، فوالله ما سكنوا إلا بعد هدأةٍ من الليل، ثم ناموا ونمت أنا معه، وأقبل يعللني بالحديث، فعرفت ما يريد، فتناومت، فلما تهورت النجوم إذا شيء قد رفع كسر البيت، فقال: من هذا؟ فولى ثم عاد، فقال: من هذا؟ فولى ثم عاد في آخر الليل، فقال: من هذا؟ فقالت: جارتك فلانة، أتيتك من عند أصيبية يتعاوون عواء الذئاب من الجوع، فما وجدت معولا إلا عليك أبا عدي، فقال: والله لأشبعنهم، فقلت: من أين؟ قال: لا عليك، فقال: أعجليهم فقد أشبعك الله وإياهم، فأقبلت المرأة تحمل ابنين ويمشي جانبيها أربعةٌ، كأنها نعامة حولها رئالها، فقام إلى فرسه فوجأ لبته بمديته، فخر، ثم كشطه، ودفع المدية إلى المرأة فقال: شأنك الآن، فاجتمعنا على اللحم، فقال: سوأةً أتأكلون دون الصرم؟ ثم جعل يأتيهم بيتاً بيتاً ويقول، هبوا أيها القوم، عليكم بالنار، فاجتمعوا، والتفع بثوبه ناحيةً ينظر إلينا، لا والله ما ذاق منه مزعةً، وإنه لأحوج إليه منا، فأصبحنا وما على الأرض من الفرس، إلا عظمٌ أو حافر، فعذلته على ذلك، فأنشأ حاتمٌ يقول:

مَهْلاً نَوَارُ أَقِلِّى اللَّوْمَ والعَذَلاَ ... ولا تَقُولى لِشيءٍ فاتَ ما فَعَلاَ

ولا تَقُولِى لمالٍ كُنْتُ مُهْلِكَهُ ... مهْلا وإن كُنْتُ أُعْطِى الجِنَّ والخَبَلاَ

يَرَى البَخِيلُ سَبيلَ المالِ واحِدَةً ... إِنَّ الجَوَادَ يَرَى في ماله سُبُلاَ

لا تَعْذِلُيِنَى في مالٍ وَصَلْتُ به ... رِحْماً وخَيْرُ سَبيلِ المالِ ما وَصَلاَ

وأتى حاتم ماوية بنت عفزرٍ يخطبها، فوجد عندها النابغة الذبياني ورجلاً من النبيت يخطبانها، فقالت لهم: انقلبوا إلى رحالكم، وليقل كل رجلٍ منكم شعراً يذكر فيه فعاله ومنصبه، فإني متزوجةٌ أكرمكم وأشعركم، فانطلقوا، ونحر كل رجل منهم جزوراً، ولبست ماوية ثياباً لأمةٍ لها واتبعتهم، فأتت النبيتي فاستطعمته، فأطعمها ذنب جزوره، فأخذته وأتت النابغة فأطعمها مثل ذلك، فأخذته، وأتت حاتماً وقد نصب قدوره فاستطعمته، فقال: انتظري حتى تبلغ القدر إناها، فانتظرت حتى بلغت، فأطعمها أعظماً من العجز وقطعةً من السنام وقطعةٌ من الحارك، ثم انصرفت وأهدى إليها النابغة والنبيتي ظهري جزوريهما، وأهدي إليها حاتم مثل ما أهدى إلى امرأة من جاراته، وصبحوها، فاستنشهدتهم، فأنشدها النبيتي:

هَلاَّ سَأَلتِ هَداكِ اللهُ ما حَسَبِى ... عِنْدَ الشِّتَاءِ إِذَا ما هَبَّتِ الرِّيحُ

ورَدَّ جازِرُهُمْ حَرْفاً مُصَرَّمَةً ... في الرَّأَسِ وفي الأَنْقَاءِ تَمْلِيحُ

إِذَا اللِقِّاحُ غَدَتْ مُلْقًى أَصِرَّتُهَا ... ولاَ كَرِيمَ مِنَ الوِلْدَان مَصْبُوحُ

ثم استنشدت النابغة فأنشدها:

هَلاَّ سَأَلْتِ بنى ذُبْيَانَ ما حَسَبِىإِذَا الدُّخَانُ تَغَشَّى الأَشْمطَ البَرَمَا

وهَبَّتِ الريحُ من تِلقْاءِ ذي أُرُلٍ ... تُزْجِى مَعَ الصُّبْحِ مِنْ صُرَّادِها صِرَمَا

مرّر المؤشر فوق أي كلمة في هذه الصفحة لترى معناها

مع حساب مجاني، مرّر المؤشر فوق أي كلمة في المكتبة لترى معناها، واستمع إليها مقروءة بصوت عالٍ، واحفظ الكلمات لمراجعتها في مواعيد تناسب ذاكرتك، واعرف مقدار ما تعرفه من كل كتاب.

أنشئ حسابًا مجانيًا