في نَدَامى سَادَةٍ نُجُبٍ ... أَخَذُوا الَّذَّاتِ من أَمَمِ
فتَمَشَّتْ في مَفَاصِلِهِمْ ... كَتَمَشِّى البُرْءِ في السَّقَمِ
صَنَعَتْ في البَيْتِ إِذْ مُزِجَتْ ... كَصَنِيعِ الصُّبْحِ في الظُّلَمِ
فاهْتَدَى سارِى الظَّلاَمِ بها ... كاهْتِدَاءِ السَّفْرِ بالعَلَمِ
هكذا قال له الدعلجي، رجل صحب أبا نواسٍ وأخذ منه. على أن أكثر الناس ينسبون الشعر إلى أبي نواس. وإنما هو لوالبة، قاله فيه.
وكان أبو نواس بصرياً، قال:
أَلاَ كُلُّ بَصْرِىٍّ يَرَى أَنَّمَا العُلى ... مُكَمَّمَةٌ سُحْقٌ لَهُنَّ جَرِينُ
وإِنْ أَكُ بَصْريّاً فإِنَّ مُهَاجَرِى ... دِمَشْقُ،و لكِنَّ الحَدِيثَ شُجُونُ
وقال:
أَيَا مَنْ كُنْتُ بالبَصْرَ ... ةِ أُصْفى لَهُمُ الوُدَّا
شَرِبْنا ماءَ بَغْدَادَ ... فَأَنْسَاناكُمُ جِدَّا
فلا تَرْعَوْا لنا عَهْداً ... فما نَرْعَى لَكُمْ عَهْدَا
جِدُوا مِنَّا كما أَنَّا ... وَجَدْنَا مِنْكُمُ بُدَّا
وهو أحد المطبوعين.
قال لي شيخٌ لنا لقيته يوماً ومعي تفاحة حسنة، فأريته إياها، وسألته أن يصفها، وما أريد بذلك إلا أن أعرف طبعه وسهولة الشعر عليه، فقال لي نحن على الطريق، فمل بنا إلى المسجد، فملنا إليه، فأخذها وقلبها بيده شيئاً، ثم قال:
يا رُبَّ تُفَّاحَةٍ خَلَوْتُ بها ... تُشْعِلُ نارَ الهَوَى على كَبدِي
قد بِتُّ في لَيْلَتى أُقَلِّبُهَا ... أَشْكُو إِليها تَطَاوُلَ الكَمَدِ
لَوْ أَنَّ تُفَّاحَةً بَكتْ ليَكَتْ ... من رَحْمَتِى هذِى التى بيَدِي
وبسط يده فناولنيها.
وكان أبو نواس متفنناً في العلم، قد ضرب في كل نوع منه بنصيب، ونظر مع ذلك في علم النجوم، يدلك على ذلك قوله:
أَلَمْ تَرَ الشَّمْسَ حَلَّتِ الحَمَلاَ ... وقام وَزْنُ الزَّمَانِ فاعْتَدَلاَ
وغَنَّتِ الطِّيرُ بَعْدَ عُجْمَتِها ... واستَوْفتِ الخَمْرُ حَوْلَها كَمَلاَ
وكان بعضهم يذهب إلى أنه أراد أن للخمر حولاً منذ جرى الماء في العود، وجعل ذلك الماء هو الخمر، لأنه يصير عنباً فيعصر.
وهذا قول، لولا أن الماء يجري في العود قبل حلول الشمس برأس الحمل بمدةٍ طويلة.
والذي عندي فيه أن الهاء في قوله " حولها " كنايةً عن الشمس كملاً. وقد تقدم ذكر الشمس في البيت الأول، فحسنت الكناية عنها.
ومعنى استيفائها حول الشمس أن الله تبارك وتعالى خلق الفلك والنجوم والشمس براس الحمل، والنهار والليل سواء، والزمان معتدل في الحر والبرد، فكلما حلت الشمس برأس الحمل فقد أمضت سنةٌ للعالم، فقد استوفت الخمر حول الشمس كملاً، وإن هي لم يأت لها حول في نفسها. وإنما أراد أن الشرب يطيب في هذا الوقت لاعتدال الزمان، وتفتح الأنوار، وتفجر المياه، وغناء الطير في أفناء الشجر.
ويدل على علمه بالنجوم أيضاً قوله في قصيدةٍ أولها:
أَعْطَتْكَ رَيْحانَها العُقَارُ ... وحان من لَيْلِك انْسِفارُ
ثم وصف الخمر فقال:
تُخُيِّرَتْ والنُّجُومُ وَقْفٌ ... لم يَتَمَكنْ بها المَدارُ
يريد أن الخمر تخيرت حين خلق الله الفلك.
وأصحاب الحساب يذكرون أن الله تعالى حين خلق النجوم جعلها مجتمعة واقفة في برج، ثم سيرها من هناك، وأنها لا تزال جارية حتى تجتمع في ذلك البرج الذي ابتدأها فيه، وإذا عادت إليه قامت القيامة وبطل العالم.
والهند تقول إنها في زمان نوح اجتمعت في الحوت إلا يسيراً منها، فهلك الخلق في الطوفان، وبقي منهم بقدر ما بقي منها خارجاً عن الحوت.
ولم أذكر هذا لأنه عندي صحيح، بل أردت به التنبيه على معنى البيت ونظر هذا الشاعر في هذا الفن.
ومما يغلط الناس فيه من شعره، إلا من أخذه عمن سمعه منه، قوله:
وخَيْمَةِ ناطُورٍ برَأَسِ مُنِيفَةٍ ... تَهُمُّ يَدَا مَنْ رامَها بزَلِيل
وَضَعْنا بها الأَثْقَالَ قَلَّ هَجيرةٍ ... عَبُورِيَّةٍ تُذْكَى بغَيْرِ فَتِيل