وبعث إلى بعض الملوك بنعل، وكتب إليه:
نَعْلٌ بَعَثْتُ بها لتَلْبَسها ... تَسْعَى بها قَدَمٌ إِلى المَجْدِ
لَوْ كان يَحْسُنُ أَن أُشَرِّكَها ... خَدِّى جَعَلْتُ شِرَاكَها خَدِّى
وسمع بقول جميل:
خَلِيلَّى فيما عِشْتُما هَل رأَيْتُما ... قَتِيلاً بَكَى من حُبِّ قاتِلِهِ قَبْلى
فأخذه كله فقال:
يا مَنْ رَأَى قَبْلى قَتِيلاً بَكَى ... من شِدَّةِ الوَجْدِ على القاتِل
وسمعه رجل ينشد:
فانْظُرْ بِطَرْفكَ حَيثُ شِئْتَ ... فلَنْ تَرَى إِلاّ بَخِيلاً
فقال له بخلت الناس جميعاً؟! قال فأكذبني بسخي واحدٍ!! ومما يستحسن من شعره قوله:
ما أَنا إِلاَّ لِمَنْ بَغَانى ... أَرَى خَلِيلى كما يَرَانى
لسْتُ أَرَى ما مَلَكتُ طَرْفِى ... مَكَانَ مَنْ لا يَرَى مَكانى
مَنْ ذا الَّذى يَرْتَجِى الأَقاصى ... إِنْ لم يَنَلْ خيْرَهُ الأَدانى
فَلى إِلى أَنْ أَمُوت رزْقٌ ... لو جَهَدَ الخَلقُ ما عدانى
لا تَرْتَجِ الخَيْرَ عِنْدَ مَنْ لا ... يَصْلُحُ إِلاَّ على الهوان
فاسْتَغْنِ باللهِ عن فُلاَنٍ ... وعن فُلاَنٍ وعن فُلاَن
ولا تَدَعْ مَكْسَباً حَلاَلاً ... تكُونُ منه على بَيَان
فالمالُ من حلِّهِ قِوَامٌ ... للعِرْضِ والوَجْهِ واللِّسان
والفَقْرُ ذُلٌّ عليه بابٌ ... مِفْتَاحُهُ العَجْزُ والتَّوانى
ورِزقُ رَبى له وُجُوهٌ ... هُنَّ منَ اللهِ في ضَمان
سُبْحان مَنْ لم يَزَلْ عَلِيًّا ... لَيْسَ له في العُلُوِّ ثانى
قَضَى على خَلْقِهِ المنايا ... فكُلُّ شَىءٍ سوَاهُ فانى
يا ربّ لم نَبْكِ من زَمانٍ ... إِلاَّ بكَيْنَا على الزَّمان
ويستحسن له قوله:
وَعَظَتْك أَجْداثٌ صُمُتْ ... ونَعتْك أَزْمِنَة خُفُتْ
وتكلَّمَتْ عن أَوْجُهٍ ... تَبْلى وعن صُوَرٍ سُبُتْ
وأَرَتْك قَبرَك في القُبُو ... رِ وأَنتَ حَىٌّ لم تَمُتْ
وشعره في الزهد كثير حسن رقيق سهل.
ومما يستحسن له من شعره قصيدته التي أولها:
أَتَتْهُ الخِلاَفَةُ مُنْقادَةً ... إِلَيْهِ تُجَرِّرُ أَذْيَالَها
فلم تَكُ تَصْلُحُ إِلاَّ له ... ولم يَكُ يَصُلُحُ إِلاَّ لها
ولَوْ رامها أَحَدٌ غَيْرُهُ ... لَزُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلَزَالَها
ومما نسب فيه إلى الزندقة قوله،وأشار إلى السماء:
إِذا ما اسْتجَزْتَ الشَّكَّ في بعضِ ما تَرَىفما لا تَرَاه الدَّهْرَ أَمْضَى وأَجْوَزُ
وقوله:
يارَبِّ لَوْ أَنْسَيْتَنيِها وَهى ... في جَنَّةِ الفِرْدَوْسِ لم أَنْسَها
وقوله:
إِنَّ المَلِيكَ رَآكِ أَحْ ... سَنَ خَلْقِه ورَأَى جَمالَكْ
فحَذا بقُدْرَةِ نَفْسِهِ ... حُورَ الجِنانِ على مِثالَكْ
أبو نواس
هو الحسن بن هانيء، مولى الحكم بن سعد العشيرة، من اليمن وهم الذين يقال فيهم " حا وحكم " .
وفيه يقول والبة بن الحباب:
يا شَقِيقَ النَّفْسِ من حَكَمِ ... نِمْتَ عن لَيْلِى ولم أَنَمِ
فاسْقِنِى البِكْرَ الَّتِى اعْتَجَرَتْ ... بخِمارِ الشَّيبِ في الرَّحِمِ
ثُمَّتَ انْصَاتَ الشَّبَابُ لها ... بَعْدَ أَنْ جازَتْ مَدَى الهَرَمِ
فَهْىَ لِلْيَوْمِ الَّذِى بُزِلَتْ ... وهى تِلْوُ الدَّهْرِ في القِدَمِ
عُتِّقَتْ حَتَّى لَوِ اتَّصَلَتْ ... بلِسانٍ ناطِق وفَمِ
لاحْتَبَتْ في القَوْمِ ماثِلَةً ... ثُمَّ قَصَّتْ قِصَّة الأُمَمِ
قَرَعَتْها للمِزاجِ يَدٌ ... خُلِقَتْ للكَأْسِ والقَلَمِ