ووقف الأحنف بنُ قيس ومحمدٌ بن الأشعث بباب معاوية، فأذِن للأحنف ثم لمحمد بن الأشعث، فأسرع محمدٌ في مشْيته حتى دَخل قبل الأحنف. فلما رآه مُعاوية قال له: والله إنِّي ما أذنتُ له قبلَك وأنا أريد أن تَدْخل قبلَه، وإنّا كما نَلى أمورَكم كذلك نلى أدبكم، ولا يزيد مُتَزَيِّد في أمره إلا لنقْص يجده في نَفْسِه. وقال عبدُ الملك بن مروان: ثلاثة لا يَنبغي للعاقل أن يَستخِفَّ بهم: العُلماء والسُّلطان والإخْوان. فمن اْستخفَّ بالعُلماء أفْسد دينَه، ومَن استخفَّ بالسُّلطان أفسد دُنياه، ومن استخفَّ بالإخوان أفسد مرُوءته.
وقال أبو الزِّناد: كنتُ كاتباً لعُمر بن عبد العزيز، فكان يكتب إلى عبد الحميد عامله على المدينة في المَظالم فيُراجعه فيها، فكتَب " إليه " : إنه يُخيَّل إلي أَنِّي لو كتبتُ إليك أن تُعطِي رجلاً شاةٍ، لكتبتَ إليّ: أضأنا أم مَعزاً؟ ولو كتبتُ إليك بأحدهما لكتبتَ إليَّ: أذكراً أم أنثى؟ ولو كتبتُ إليك بأحدهما لكتبت: أصغيراً أم كبيراً؟ فإذا كتبتُ إليك في مَظْلمة " فنَفِّذ أمري " ولا تراجعني فيها. وكتب أبو جعفر إلى سَلْم بن قُتيبة، يأمره بهَدْم دور مَن خَرج مع إبراهيم " بن عبد الله " ، وعَقْر نخلهم، فكتب إليه: بأيّ ذلك تَبدأ، بالدُّور أو بالنّخل؟ فكتب إليه أبو جعفر: إنِّي لو أمرتك بإفساد تَمرهم، لكتبتَ: بأيّ ذلك نبدأ؟ بالصَّيْحاني أم بالبَرْنِيّ؟ وعَزله وولّى محمد بن سليمان. " ولمحمود الورّاق:
كم قد رأيتَ مَساءةً ... من حيثُ تَطْمع أن تُسَرّا
ولربما طَلب الفَتى ... لأخيه مَنْفعة فَضَرا "
ودخل عَدِيّ بن أرْطأة على شرَيح القاضي، فقال له: أين أنت أصلحك اللّه؟ قال: بينك وبين الحائط، قال: اسمع منِّي؛ قال: قُلْ نَسمع؛ قال: إني رَجل من أهل الشام، قال: مكان سَحيق، قال: وتزوّجتُ عندكم، قال: بالرِّفاء والبَنين؛ قال: وأردتُ أن أرحِّلها؟ قال: الرَّجلُ أحقُّ بأهله؟ قال: وشرَطتُ لها دارها؛ قال: الشَرْط أَمْلك؛ قال: فاحكم الآن بيننا، قال: قد فعلتُ، قال: فعلى مَن حكمتَ؟ قال: على ابن أمّك، قال: بشهادة من؟ قال بشهادة ابن أخت خالتك - أراد شُريح إقرارَه على نفسه بالشَّرْطِ - وكان شِريح صاحب تعريض عويص. ودخل شريك بنُ عبد الله على إسماعيل وهو يتَبخَر بعود، فقال للخادم: جئنا بعود لأبي عبد الله. فجاء بِبَربط، فقال له إسماعيل: اكْسِرْه، " ويلك " ! وقال لشَريك: أخَذُوا البارحةَ في الحرس رجلاً ومعه هذا البَرْبط. وقال بعض الشعراء في عيّ الخادم:
وَمَتَى أدْعها بكأْسٍ من الما ... ء أتَتْني بصَحْفَة وزبِيبِ
وقال حَبيبٌ في بني تَغْلِب من أهل الجَزِيرة يَصفُهم بالجفاء وقِلَةِ الأدب مع كرم النُّفوس:
لا رِقَّةُ الحَضَرِ اللَّطيف غَذَتْهمُ ... وتَباعدُوا عن فِطْنة الأعْراب
فإذا كشفتَهمُ وجدتَ لديهمُ ... كَرَم النُّفوس وقِلَّة الآدابَ
وكان فَتًى يُجالسُ الشَّعْبيّ، وكان كثيرَ الصَّمت، فالتفت إلى الشَّعبيّ، فقال له: إني لأجد في قَفاي حِكِّة أفتأمُرني بالحِجامة؟ فقال الشَعبِيُّ: الحمدُ لله الذي حوَلنا من الفِقْه إلى الحِجامة. " قال: وأتى أحمدَ بن الخَصيب بعضُ المتظلّمين يوماً، فأخرج رِجْلَه من الرِّكاب فَركله بها. فقال فيه الشاعر:
قلْ للخليفَةِ يابن عَمِّ محمدٍ ... اشْكُل وزيرَك إنَّه رَكَّالُ "
وبعثَ رجلٌ من التّجار وكيلاً له إلى رَجل من الأشراف يَقْتضيه مالاً عليه، فَرَجَع إليه مَضروباَ فقال له: ويلك! مالك؟ قال: سَبك فسببته، فضَرَبَني. قال: وما قال لك؟ قال قال: أدخَل الله هَنَ الحِمار في حِرِ أمَ مَن أرسلك؛ قال: دَعْني مِن افترائه عليّ وسَبّه لي، وأخبرني كيف جعلتَ أنتَ لأيْرِ الحِمار من الحُرْمة ما لمِ تجعله لِحِر أمّ مَن أرسلك؟ هلا قلتَ: أيْر الحِمار في هَنِ أم مَن أرْسلك؟
باب في تحنك الفتى
قِيلَ لعُمَر بن الخطَّاب: إِن فُلاناً لا يَعْرِف الشَر. قال: ذلك أحْرَى أن يَقَع فيه. وقال سُفْيان الثَورِيّ: مَن لم يُحْسن أن يَتفتَى لم يُحسن أن يَتَقَرَّى. وقال عمرو بن العاص: ليس العاقلُ الذي يعرف الخيرَ من الشر، إنما العاقلُ الذي يَعرف خيَر الشرَّين. ومثل ذلك قول الشاعر: