ودَخل رجلٌ على محمد بن المُنْكَدر فوجده قاعداً على حَشايا مُضاعَفة، وجاريةٌ تُغَلِّفه بالغالية، فقال: رَحمك اللّه، جئتُ أسألك عن شيء وجدتك فيه - يريد التزيّن - قال: على هذا أدركتُ الناس.
وصلّى الأعمشُ في مسجد قوم فأطال بهم الإمام، فلما فَرغ، قال له: يا هذا، لا تُطِلْ صلاتك، فإنه يكون خَلْفك ذو الحاجة والكبَير والضَّعيف؟ قال الإمام: وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين؛ فقال له الأعمش: أنا رسولُ الخاشعين إليك، إنهم لا يَحتاجون إلى هذا منك.
العُتْبيّ قال: أصابت الربيعَ بن زِياد نُشَّابةٌ في جبينه، فكانت تنتقض عليه كل عام، فأتاه عليُّ بن أبي طالب عائداً، فقال له: كيف تَجدك يا أبا عبد الرحمن؟ قال: أجدُني لو كان لا يذهب ما بي إلا بذَهاب بَصري لتمنيّت ذهابَه، قال له: وما قيمة بَصرك عندك؟ قال: لو كانت لي الدُّنيا فديتُه بها؟ قال: لا جَرم، ليُعطينّك اللهّ على قَدْر الدُنيا، لو كانت لك لأنفقتها في سبيله، إِنّ الله يُعطي على قَدْر الألم والمُصيبة وعنده بعدُ تَضْعيفٌ كثير. قال له الرَّبيع: يا أميرَ المؤمنين، ألا أشكو إليك عاصمَ بن زِياد؟ قال: وماله؟ قال: لَبِسَ العَباء، وتَرَك المُلاَء، وغم أهْلَه، وأحْزن وَلَده؛ قال: عليِّ عاصماً. فلما أتاه عَبس في وَجْهه، وقال: وَيْلكَ يا عاصم! أترى الله أباح لك اللذّاتِ وهو يكره " منك " أخْذَك منها، أنت أهونُ على الله من ذلك، أو ما سَمعْته يقول: " مَرَجَ البَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَان بَيْنهما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيَان " حتى قال: " يَخْرُجُ مِنْهَما اللُؤْلُؤُ والمَرْجَان " . وتاللّه لابتذال نِعَم الله بالفِعال، أحب إِلي من ابتذالها بالمَقَال، وقد سمعته يقول: " وأمَّا بِنِعْمَةِ ربكَ فَحَدًث " وقوله: " قُلْ مَنْ حَرَمَ زِينَةَ الله الَتي أخْرَجَ لِعِبَادهِ والطيبَاتِ مِنَ الرزْقِ " . قال عاصم: فعلامَ اقتصرتَ أنت يا أميرَ المَؤمنين؟ على لِبْس الخَشِن وأكْل الحَشف؟ قال: إن الله افترض على أئمة العَدْل أن يُقَدِّروا أنفسَهم بالعوامّ لئلاّ يَشْنعَ بالفقير فَقرُه. فما بَرِح حتى لِبس المُلاء وترك العَباء.