محمد بن حاطب الْجُمَحيّ قال: حدّثني من سَمع عمرو بن شُعيب، وكنتُ سمعتُه أنا وأبي جميعاً، قال: حدّثني عمرو بن شُعيب عن أبيه عن جدّه عن " عبد الله بن مَسعود قال: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ذاتَ يوم أمّ " عبد الله بن عمرو " بن العاص " ، وكانت امرأة تَلْطُف برسول الله صلى الله عليه وسلم وسلّم، فقال: كيف أنتِ يا أمَ عبد الله؟ كيف أكونُ وعبد الله بن عمرو رجلٌ قد تخلّى من الدنيا، قال لها: كيف ذلك؟ قالت: حرّم النوم فلا ينام، ولا يُفطر، ولا يَطْعم اللحم، ولا يؤدِّي إلى أهله حقَّهم؟ قال: فأين هو؟ قالت: خرج ويُوشك أن يَرْجع الساعة، قال: فإذا رجع فاحبسيه عليَّ. فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وجاء عبد الله وأوْشك رسول الله صلى الله عليه وسلم في الرَّجعة، فقال: يا عبد الله بن عَمرو، ما هذا الذي بلغني عنك، " قال: وما ذاك يا رسولَ الله؟ قال بَلَغني، أنك لا تنام " ولا تُفْطر " ؟ قال: أردتُ بذلك الأمْنَ من الفزع الأكبر قال: وبلَغني أنك لا تَطْعم اللَّحم، قال: أردتُ بذلك ما هو خيرٌ منه في الجنَّة؛ قال: وبلغني أنك لا تؤدي إلى أهلك حقَهم؛ قال: أردتُ بذلك نساءً هنَّ خير منهنّ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وسلَّم يا عبد الله بن عمرو، إن لك في رسول الله أسوة حَسنة، فرسول الله يَصوم ويُفطر ويأكل اللَّحم، ويُؤدِّي إلى أهله حقوقَهم. يا عبد الله بن عمرو، إنَ لله عليك حقّا، وإنَ لبدنك عليك حقّا، وإن لأهلك عليك حقّا. فقال: يا رسول الله، ما تأمرني أن أصوم خمسة أيام وأفطر يوماً؟ قال: لا؛ قال: فأصوم أربعة وأفطر يوماً؟ قال: لا؛ قال: فأصوم ثلاثة وأفطر يوماً؟ قال: لا؛ قال: فيومين وأفطر يوماً؟ قال: لا، قال: فيوماً " وأفْطِر يوماً " ؟ قال: ذلك صيام أخي داود، يا عبد الله بن عمرو، كيف بك إذا بَقِيت في حُثالة من الناس قد مَرِجَتْ عهودُهم ومواثيقُهم فكانوا هكذا - وخالف بين أصابعه قال: فما تأمرني " به " يا رسول اللهّ؟ قال: تأخذ ما تَعرف، وتَدَع ما تُنكر، وتَعمل بخاصَّة نَفْسك، وتَدع الناس وعوامَّ أمرهم. قال: ثم أخذه بيده وجعل يمشي به حتى وضعَ يده في يد أبيه، وقال له. أطِع أباك. فلما كان يومُ صِفّين، قال له أبوه عمرو: يا عبد الله، اخرج فقاتل، فقال: يا أبتاه، أتأمُرني أن أخرج فأقاتل وقد سمعتُ من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما سمعت وعَهِد إليَ " ما عهد " ؟ قال: أنشدك الله، ألم يكن آخر ما قال لك أن أخذ بيدك فوضعها في يدي، وقال لك: أطِع أباك؟ٍ قال: اللهم بلى؛ قال: فإني أعزم عليك أن تَخْرج فتقاتل. قال: فخرج فقاتل متقلَداً بسيفين.
القول في القدر
أتى قومٌ من أهل القَدر محمد بن المُنْكدر. فقالوا له: أنت الذي تقول: إن الله يُعذِّب الخلق على ما قدَّر عليهم؟ فصرف وجهه عنهم ولم يُجبهم. فقالوا له: أصلحك الله، إن كنت لا تُجيبنا فلا تُخْلِنا من بركة دعائك، فقال: اللهم لا تُرْدِنا بعُقوبتك، ولا تَمكر بنا حِيلتك، ولا تُؤاخذنا بتَقْصيرنا عن رِضاك، قليلَ أعمالنا تقَبّل، وعظيمَ خطايانا اغفر، أنت الله الذي لم يكن شيء قبلك، ولا يكونُ شيء بعدك، وليّ الأشياء، ترفع بالهُدى من تشاء؛ لا مَن أحسن استغنى عن عَونك، ولا مَن أساء غَلَبك، ولا استبدّ شيء عن حُكومتك وقُدرتك، " لا ملجأ إلا إليك " ، فكيف لنا بالمغفرة وليست إلا في يديك، وكيف لنا بالرحمة وليست إلا عندك، حفيظ لا ينسى، قديم لا يَبلى، حيّ لا يموت، بك عرفناك، وبك اهتدينا إليك، ولولا أنت لم نَدْرِ ما أنت، سُبحانك وتعاليت. فقال القوم: قد واللّه أخبر وما قَصرّ.
وقال: ذُكر القَدر في مجلس الحسن البصريّ، فقال: إن الله خلق الخلق للابتلاء، لم يُطيعوه بإكراه، ولم يَعْصوه بغَلبة، لم يُهْملهم من الملْك وهو القادر على ما أقدرهم عليه، والمالك لما ملّكهم إياه، فإن يأتمر العِباد بطاعة الله لم يكن اللهّ مُثَبِّطاً " لهم " بل يَزيدهم هُدىً إلى هُداهم، وتَقوَى إلى تَقْواهم، وإن يأتمروا بمعْصية اللّه، كان الله قادراً على صرفهم إن شاء، وإن خَلّى بينهم وبين المَعْصية، فمن بعد إعذار وإنذار.