FluentPlex

Al-Fakhrī

خلافة المهتدي بالله

Original text Public domain

Read with the dictionary

بويع بالخلافة سنة اثنتين وخمسين ومائتين عقيب خلع المستعين، وكان المعتز جميل الشخص حسن الصورة، ولم يكن بسيرته ورأيه وعقله بأس، إلا أن الأتراك كانوا قد استولوا منذ قتل المتوكل على المملكة واستضعفوا الخلفاء، فكان الخليفة في يدهم كالأسير إن شاؤوا أبقوه وإن شاؤوا خلعوه وإن شاؤوا قتلوه.

لما جلس المعتز على سرير الخلافة قعد خواصه وأحضروا المنجمين، وقالوا لهم: انظروا كم يعيش وكم يبقى في الخلافة؟ وكان بالمجلس بعض الظرفاء، فقال: أنا أعرف من هؤلاء بمقدار عمره وخلافته! فقالوا له: فكم تقول إنه يعيش؟ وكيف يملك؟ قال: مهما أراد الأتراك. فلم يبق في المجلس إلا من ضحك.

موت المعتز بالله: وفي أيام المعتز ظهر يعقوب بن الليث الصفار واستولى على فارس وجمع جموعاً كثيرة، ولم يقدر المعتز على مقاومته. ثم إن الأتراك ثاروا بالمعتز وطلبوا منه مالاً. فاعتذر إليهم وقال: ليس في الخزائن شيء. فاتفقوا على خلعه وقتله، فحضروا إلى بابه وأرسلوا إليه وقالوا له: اخرج إلينا، فاعتذر بأنه شرب دواء، فهجموا عليه وضربوه بالدبابيس وخرقوا قميصه وأقاموه في الشمس، فكان يرفع رجلاً ويضع أخرى لشدة الحر، وكان بعضهم يلطمه وهو يتقي بيده، ثم جعلوه في بيت وسدوا بابه حتى مات، بعد أن أشهدوا عليه أنه خلع نفسه، وذاك في سنة خمس وخمسين ومائتين .

شرح حال الوزارة في أيامه: أول وزرائه أبو الفضل جعفر بن محمود الإسكافي وزارة الإسكافي: لم يكن له علم ولا أدب ولكنه كان يستميل القلوب بالمواهب والعطايا، وكان المعتز يكرهه، وكانوا ينسبونه إلى التشيع. ومال إليه بعض الأتراك وكرهه البعض الآخر، وثارت بسببه فتنه، فعزله المعتز.

وزارة أبي موسى عيسى بن فرخان شاه: كان كريماً، قيل عنه: إنه كان قبل الوزارة يتولى بعض الدواوين فعزل عنه وله به استحقاق مبلغه ألف دينار، فتلطف بالذي تولى بعده حتى كتب له وأحاله بذلك إلى بعض النواب. فلما حصل المال كتب ذلك النائب إلى عيسى بن فرخان شاه يعلمه أن المال قد حصل ويستأذنه في حمله إليه، وكان صديقاً له، فكتب إليه: إن فلاناً الشاعر لازمني مدة وما حصل له من جهتي شيء فادفع هذا المال إليه. فدفع المال إلى الشاعر فأخذه وانصرف. وجرت بسببه أيضاً فتنة بين الأتراك فعزله المعتز.

وزارة أبي جعفر أحمد بن اسرائيل الأنباري: كان أحد الكتاب الحذاق الأذكياء، قالوا: كان يحفظ وجوه المال جميعها دخلاً وخرجاً على ذهنه، قالوا: إنه ضاعت مرة حسبة من الديوان فأوردها من خاطره، فلما وجدت الحسبة كانت كما قال من غير زيادة و لا نقيصة. ثم إن الأتراك وثبوا على أحمد بن إسرائيل فأخذوه وضربوه واستصفوا أمواله، وشفع فيه المعتز وأمه إلى متقدم الأتراك، وهو صالح بن وصيف، فلم يلتفت إليهما وحبسه، وضربه بعد ذلك في أيام المهتدي حتى مات.

ولما فعل صالح بن وصيف بأحمد بن اسرائيل ما فعل استحضر جعفر بن محمود الإسكافي واستوزره للمعتز ثانية، وقد سبق ذكره. ولما تولى الوزارة في المرة الثانية قال بعض الشعراء:

يا نفس لا تولعي بتفنيد ... وعللي القلب بالمواعيد

وانتظري ، قد رأيت ما ساقه الل ... ه إلى جعفر بن محمود

انقضت أيام المعتز ووزرائه.

ثم ملك بعده المهتدي بالله. هو أبو عبد الله محمد بن الواثق

خلافة المهتدي بالله

كان المهتدي من أحسن الخلفاء مذهباً وأجملهم طريقةً وسيرةً وأظهرهم ورعاً وأكثرهم عبادة، كان يتشبه بعمر بن عبد العزيز ويقول: إني أستحيي أن يكون في بني أمية مثله ولا يكون مثله في بني العباس . وكان يجلس للمظالم فيحكم حكماً يرتضيه الناس، وكان يتكلل في مأكوله وملبوسه.

Hover any word on this page for its meaning

With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.

Create free account