FluentPlex

Al-Fakhrī

خلافة هارون الرشيد

نص أصلي Public domain

اقرأ مع القاموس

فقال له جعفر بن يحيى: قد قضى الله هذه الحوائج الثلاث، أما المال ففي هذه الساعة يحمل إلى منزلك، وأما الولاية فقد وليت ابنك مصر، وأما الزواج فقد زوجته فلانة ابنة مولانا أمير المؤمنين على صداق مبلغه كذا وكذا، فانصرف في أمان الله.

فراح عبد الملك إلى منزله فرأى المال قد سبقه، ولما كان من الغد حضر جعفر عند الرشيد وعرفه ما جرى، وأنه قد ولاه مصر وزوجه ابنته ، فعجب الرشيد من ذلك وأمضى العقد والولاية، فما خرج جعفر من دار الرشيد حتى كتب له التقليد بمصر وأحضر القضاة والشهود وعقد العقد.

وقيل: إن جعفر بن يحيى كان بينه وبين صاحب مصر عداوة ووحشة، وكان كل منهما مجانباً للآخر، فزور بعذ الناس كتاباً عن لسان جعفر بن يحيى إلى صاحب مصر، مضمونه أن حامل هذا الكتاب من أخص أصحابنا وقد آثر التفرج على الديار المصرة فأريد أن تحسن الالتفات إليه، وبالغ في الوصية، ثم أخذ الكتاب ومضى إلى مصر وعرضه على صاحبها. فلما وقف عليه تعجب منه وفرح به إلا أنه حصل عنده ارتياب وشك في الكتاب، فأكرم الرجل وأنزله في دار حسنة وأقام له ما يحتاج إليه وأخذ الكتاب منه وأرسله إلى وكيله ببغداد وقال له: قد وصل شخص من أصحاب الوزير بهذا الكتاب، وقد ارتبت به، فأريد أن تتفحص لي عن حقيقة الحال في ذلك، وهل هذا خط الوزير أم لا؟ وأرسل كتاب الوزير صحبة مكتوبة إلى وكيله.

فجاء الوكيل إلى وكيل الوزير وحدثه بالقصة وأراه الكتاب، فأخذه وكيل الوزير ودخل إلى الوزير وعرفه الحال، فلما وقف جعفر بن يحيى على الكتاب علم أنه مزور عليه، وكان عنده جماعة من ندمائه ونوابه فرمى الكتاب عليهم، وقال لهم: أهذا خطي؟ فتأملوه وأنكروه كلهم وقالوا: هذا مزور على الوزير. فعرفهم صورة الحال وأن الذي زور هذا الكتاب موجود بمصر عند صاحبها، وأنه ينتظر عود الجواب بتحقيق حاله، وقال لهم : ما ترون وكيف ينبغي أن نفعل في هذا؟ فقال بعضهم: ينبغي أن يقتل هذا الرجل حتى تنحسم هذه المادة ولا يرجع أحد يتجرى على مثل هذا الفعل. وقال آخر: ينبغي أن تقطع يمينه التي زور بها هذا الخط. وقال آخر: ينبغي أن يوجع ضرباً ويطلق حال سبيله. وكان أحسنهم محضراً من قال: ينبغي أن تكون عقوبته على هذا الفعل حرمانه وأن يعرف صاحب مصر بحاله ليحرمه، فيكفيه من العقوبة أنه قد قطع هذه المسافة البعيدة من بغداد إلى مصر ثم يرجع خائباً.

فلما فرغوا من حديثهم قال جعفر: سبحان الله! أليس فيكم رجل شديد؟ قد علمتم ما كان بيني وبين صاحب مصر من العداوة والمجانبة، وأن كل واحد منا كانت تمنعه عزة النفس أن يفتح باب الصلح، فقد قيض الله لنا رجلاً فتح بيننا باب المصالحة والمكاتبة وأزال بيننا تلك العداوة ، فكيف يكون جزاؤه ما ذكرتم من الإساءة؟ ثم أخذ القلم وكتب على ظاهر الكتاب إلى صاحب مصر: سبحان الله! كيف حصل لك الشك في خطي؟ هذا خط يدي والرجل من أعز أصحابي وأريد أن تحسن إليه وتعيده إلي سريعاً فإني مشتاق إليه، محتاج إلى حضوره.

فلما وصل الكتاب وفي ظاهره خط الوزير إلى صاحب مصر كاد يطير من الفرح، وأحسن إلى الرجل غاية الإحسان وواصله بمال كثير وتحف جميلة.

ثم إن الرجل رجع إلى بغداد وهو أحسن الناس حالاً فحضر إلى مجلس جعفر ابن يحيى. فلما دخل سلم عليه ووقع يقبل الأرض ويبكي، فقال له جعفر: من أنت يا أخي؟ قال: يا مولانا أنا عبدك وصنيعتك المزور الكذاب المتجري! فعرفه جعفر وبش به وأجلسه بين يديه وسأله عن حاله، وقال له: كم وصل إليك منه؟ فقال: مائة ألف دينار. فاستقلها جعفر وقال: لازمنا حتى نضاعفها لك. فلازمه مدة فكسب معه مثلها.

ومازالت دولة البرامكة في علو وارتفاع وتزايد حتى انحرفت عنهم الدنيا.

أمارة تدل على انحراف دولتهم:

مرّر المؤشر فوق أي كلمة في هذه الصفحة لترى معناها

مع حساب مجاني، مرّر المؤشر فوق أي كلمة في المكتبة لترى معناها، واستمع إليها مقروءة بصوت عالٍ، واحفظ الكلمات لمراجعتها في مواعيد تناسب ذاكرتك، واعرف مقدار ما تعرفه من كل كتاب.

أنشئ حسابًا مجانيًا