FluentPlex

Al-Fakhrī

خلافة هارون الرشيد

Original text Public domain

Read with the dictionary

حدث بختيشوع الطبيب قال: دخلت يوماً على الرشيد وهو جالس في قصر الخلد في مدينة السلام، وكان البرامكة يسكنون بحذائه من الجانب الآخر، وبينهم وبينه عرض دجلة، قال: فنظر الرشيد فرأى اعتراك الخيول وازدحام الناس على باب يحيى بن خالد، فقال: جزى الله يحيى خيراً، تصدى للأمور وأراحني من الكد ووفر أوقاتي على اللذة. ثم دخلت عليه بعد أوقات، وقد شرع يتغير عليهم، فنظر فرأى الخيول كما رآها تلك المرة، فقال: استبد يحيى بالأمور دوني، فالخلافة على الحقيقة له وليس لي منها إلا اسمها. قال: فعلمت أنه سينكبهم، ثم نكبهم عقيب ذلك.

شرح السبب في نكبة البرامكة وكيفية الحال في ذلك: اختلف أصحاب السير والتواريخ في السبب في ذلك. فقيل: إن الرشيد ما كان يصبر عن أخته عباسة ولا - عن جعفر بن يحيى، فقال له: أزوجكها حتى يحل لك النظر إليها، ثم لا تقربها. فكان يجتمعان وهما شابان ثم يقوم الرشيد عنهما، ويخلوان بأنفسهما، فجامعها جعفر فحبلت منه وولدت ولدين وكتمت الأمر في ذلك حتى علم الرشيد فكان ذلك سبب نكبة البرامكة.

وقيل: كان سبب ذلك أن الرشيد كلف جعفر بن يحيى قتل رجل من آل أبي طالب فتحرج جعفر من ذلك وأطلق الطالبي، وسعي إلى الرشيد بجعفر. فقال له: ما فعل الطالبي؟ قال: هو في الحبس. قال الرشيد: بحياتي؟ ففطن جعفر فقال: لا، وحياتك! ولكن أطلقته لأني علمت أنه ليس عنده مكروه. فقال له الرشيد: نعم ما فعلت! فلما قام جعفر قال الرشيد: قتلني الله إن لم أقتلك. ثم نكبهم.

وقيل: إن أعداء البرامكة مثل الفضل بن الربيع مازالوا يسعون بهم إلى الرشيد، ويذكرون له استبدادهم بالملك واحتجانهم للأموال حتى أوغروا صدره فأوقع بهم.

وقيل: إن جعفراً والفضل ابني يحيى بن خالد ظهر منهما من الإدلال ما لا تحتمله نفوس الملوك فنكبهم لذلك.

وقيل: إن يحيى بن خالد رئي، وهو بمكة، يطوف حول البيت ويقول: اللهم إن كان رضاك في أن تسلبني نعمتك عندي وتسلبني أهلي ومالي وولدي فاسلبني إلا الفضل ولدي، ثم ولى. فلما مشى قليلاً عاد وقال: يا رب إنه سمج بمثلي أن يستثني عليك، اللهم والفضل! فنكبهم الرشيد بعد قليل.

شرح مقتل جعفر بن يحيى والقبض على أهله: كان الرشيد قد حج، فلما عاد من الحج سار من الحيرة إلى الأنبار في السفن، وركب جعفر بن يحيى إلى الصيد وجعل يشرب تارة ويلهو أخرى وتحف الرشيد وهداياه تأتيه، وعنده بختيشوع الطبيب وأبو ذكار الأعمى يغنيه. فلما أظل المساء دعا الرشيد مسروراً الخادم، وكان مبغضاً لجعفر، وقال: اذهب فجئني برأس جعفر ولا تراجعني. فوافاه مسرور بغير إذن وهجم عليه وأبو ذكار يغنيه:

فلا تبعد فكل فتىً سيأتيعليه الموت يطرق أويغادي

فلما دخل مسرور قال له جعفر بن يحيى: لقد سررتني بمجيئك وسوءتني بدخولك علي بغير إذن. فقال: الذي جئت له أعظم، أجب أمير المؤمنين إلى ما يريد بك. فوقع على رجليه فقبلهما، وقال له: عاود أمير المؤمنين فإن الشراب قد حمله على ذلك، وقال: دعني أدخل داري فأوصي! فقال: الدخول لا سبيل إليه، وأما الوصية فأوص بما بدا لك؛ فأوصى. ثم حمله إلى منزل الرشيد وعدل به إلى قبة وضرب عنقه، وأتى برأسه على ترس إلى الرشيد وببدنه في نطع. ووجه الرشيد فقبض على أبيه وإخوته وأهل وأصحابه وحبسهم بالرقة واستأصل شأفتهم.

ومن طريف ما وقع في ذلك ما رواه العمراني المؤرخ قال: حدث فلان قال: دخلت الديوان فنظرت في بعض تذاكر النواب فرأيت فيها أربعمائة ألف دينار ثمن خلعة لجعفر بن يحيى الوزير، ثم دخلت بعد أيام فرأيت تحت ذلك عشرة قراريط ثمن نفط وبواري لإحراق جثة جعفر بن يحيى، فعجبت من ذلك.

ثم استوزر الربيع بعد البرامكة الفضل بن الربيع، وكان حاجبه.

وزارة أبي العباس الفضل بن الربيع: قد مضى ذكر أبيه. وأما الفضل فكان حاجباً للمنصور والمهدي والهادي والرشيد، فلما نكب الرشيد البرامكة استوزره بعدهم.

كان الفضل بن الربيع شهماً خبيراً بأحوال الملوك وآدابهم، ولما ولي الوزارة تهوس بالأدب، وجمع إليه أهل العلم فحصل منه ما أراد في مدة يسيرة؛ وكان أبو نواس من شعرائه المنقطعين إليه، فمن شعره في آل الربيع:

عباس عباس إذا اضطرم الوغى ... والفضل فضل، والربيع ربيع

Hover any word on this page for its meaning

With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.

Create free account