FluentPlex

Al-Fakhrī

خلافة أبي جعفر المنصور

Original text Public domain

Read with the dictionary

كان الجند قد شغبوا على المنصور، فقال المنصور لقثم بن العباس بن عبيد الله بن العباس: ما ترى التياث الجند؟ وإني خائف أن تجتمع كلمتهم! فقال له: يا أمير المؤمنين الرأي أن تعبر ابنك إلى الجانب الشرقي وتعبر معه قطعة من العسكر وتبني له مدينة، فيصير هو في مدينة وعسكر بالجانب الشرقي، وأنت في مدينة وعسكر بالغربي، فإن رابك حدث من أحد الجانبين استعنت عليه بالجانب الآخر. فقبل قوله وبنى الرصافة. وتمت الرصافة، وصار الخلفاء بعد ذلك يدفنون موتاهم بها، وبنوا بها الترب الجليلة وحملوا إليها من الفرش العظيم والآلات الجليلة ما يتجاوز الحصر، ووقفوا عليها من النواحي والأقرحة والعقارات جملة كثيرة، وكانت في أيامهم حرماً إذا لجأ إليها الخائف أمن.

موت المنصور : ومات المنصور محرماً بمكة سنة ثمان وخمسين ومائة، فكتم الربيع أمره لأجل البيعة للمهدي. فيقال إنه أجلسه وسنده وجعل على وجهه كلة خفيفة يرى وجهه منها ولا يفهم أمره، وأذن لوجوه بني هاشم. فلما دخلوا ووقفوا بين يديه وهم يحسبون أنه حي تقدم الربيع إليه كأنه يشاوره ثم عاد إليهم وقال: أمير المؤمنين يأمركم بتجديد البيعة للمهدي. فبايع الناس طراً.

وقيل إن المهدي لما بلغه ذلك استخف بالربيع وقال: ما منعتك هيبة أمير المؤمنين من هذا الفعل به! شرح حال الوزارة أيام المنصور: لم تكن الوزارة في أيامه طائلة لاستبداده واستغنائه برأيه وكفاءته مع أنه كان يشاور في الأمور دائماً، وإنما كانت هيبته تصغر لها هيبة الوزراء. وكانوا لا يزالون على وجل منه وخوف فلا يظهر لهم أبهة ولا رونق.

وزارة أبي أيوب المورياني: موريان قرية من قرى الأهواز.

كان المنصور قد اشتراه صبياً قبل الخلافة وثقفه، فاتفق أنه أرسله مرة إلى أخيه السفاح وهو خليفة، وأرسل معه هدية، فلما رآه السفاح أعجبته هيئته وفصاحته وصباحته، فقال له: يا غلام لمن أنت؟ قال: لأخي أمير المؤمنين قال :بل أنت لي واحتسبه عنده وكتب إلى المنصور يعلمه أنه قد أخذه وأعتقه. واختص بالسفاح مدة خلافته، ثم نمت حاله وتزايدت نعم الله عنده حتى قلده المنصور وزارته، وكان لبيباً بصيراً بالأمور عاقلاً فطناً ذكياً فاضلاً كريماً غزير المروءة.

مكرمة: حدث ابن شبرمة قال: زوجت ابني على صداق مبلغه ألف درهم، فجعلت أفكر فيمن أستعين به على ذلك، فأتيت أبا أيوب المورياني وزير المنصور فذكرت له ذلك. فقال: قد أمرنا لك بهذا القدر. فجزيته خيراً وقمت لأخرج، فقال: أعطوه ألفي درهم للنفقة، وذهبت لأقوم، فقال: لا تعجل، أفلا يحتاج إلى خادم؟ أعطوه ألفي درهم لخادم. فما زال يأمر لي في كل مرة بألفين ألفين حتى تكمل ما أمر به خمسين ألف درهم.

ذكر القبض على أبي أيوب المورياني: كان أبو أيوب يحب جمع المال ليتقرب به إلى المنصور إذا خافه. فقال له المنصور يوماً: ما ترى حال صالح ابني ليس له ضيعة ؟ فقال أبو أيوب: يا أمير المؤمنين بالأهواز مزارع عاطلة تحتاج إلى ثلاثمائة ألف درهم تعمر بها ويقوم منها حاصل جيد. فأطلق له ثلاثمائة ألف درهم وأمره بعمارتها لابنه صالح. فأخذ أبو أيوب المال ولم يعمل في الضيعة شيئاً، وصار في رأس كل سنة يحمل عشرين ألف درهم ويقول: هذه حاصل الضيعة المستجدة. فانكتم الحال عن المنصور مدة، ثم إن أعداء أبي أيوب وجدوا هذا طريقاً إلى السعاية به، فأعلموا المنصور الحال فانحدر بنفسه إلى هناك، فأمر أبو أيوب أن تبنى بيوت على جانب الشط ويغرس فيها كرم ويخضر حواليها. فلما فعل ذلك اجتاز المنصور بها. فقال له أبو أيوب: هذه هي الضيعة، فرأى المنصور العمارة والخضرة فكاد الأمر يشتبه عليه، فأعلمه أعداء أبي أيوب صورة الحال، فركب بنفسه وأخذ الأدلاء معه وطاف الضيعة فوجدها عاطلة لا عمارة فيها، فعرف القصة وتنبه على خيانة أبي أيوب، فنكبه وقتله وقتل أقاربه واستصفى أموالهم، وقال ابن حبيبات الشاعر الكوفي في ذلك:

قد وجدنا الملوك تحسد من أع ... طته طوعاً أزمة التدبير

فإذا ما رأوا له النهي والأم ... رضي الله عنه أتوه من بأسهم بنكير

شرب الكأس بعد حفص سلي ... مان ودارت عليه كف المدير

ونجا خالد بن برمك منها ... إذ دعوه من بعدها بالأمير

Hover any word on this page for its meaning

With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.

Create free account