FluentPlex

Al-Fakhrī

خلافة محمد المهدي

Original text Public domain

Read with the dictionary

أسوأ العالمين حالاً لديهم ... من تسمى بكاتب أو وزير

وزارة الربيع بن يونس: هو أبو الفضل الربيع بن يونس بن محمد بن كيسيان، هو أبو فروة مولى عثمان بن عفان. كان يقال إن الربيع لقيط ولذلك قال يوماً لرجل كرر الترحم على أبيه في حضرة المنصور: كم تكرر ذكر أبيك وتترحم عليه؟ فقال له الرجل: إنك معذور في ذلك لأنك لم تذق حلاوة الآباء. قالوا: والصحيح أنه ابن يونس بن محمد بن أبي فروة .

ولكنه لغير رشدة. قالوا: وقع يونس بن محمد على جارية لهم فولدت له الربيع، فأنكره يونس فبيع وتنقل في الرق حتى وصل إلى بني العباس. وبلغني أن علاء الدين عطا ملك بن الجويني صاحب الديوان كان ينتسب إلى الفضل بن الربيع. ولقد عجبت من الصاحب علاء الدين مع نبله وفضله واطلاعه على السير والتواريخ كيف رضي أن ينتسب إلى الفضل بن الربيع. فإن كان قد انتحل هذا النسب ففضيحة ظاهرة، وإن كان حقاً فلقد كان العقل الصحيح يقتضي ستره فإنه نسب لا يوجد أرذل منه، ولا أفضح ولا أسقط. أما أولاً فلأن الفضل بن الربيع لم يكن حراً في نفسه وكان مرمياً بالفاحشة. و أما ثانياً فلأن الربيع وإن كان جليلاً كافياً إلا أنه كان مدخول النسب؛ فكان يقال إنه لقيط، وتارة يقال إنه ولد زنا، وأحسن أحواله أن يكون صحيح الاتصال إلى أبي فروة مولى عثمان بن عفان، رضي الله عنه، وفي ذلك أتم العار.

فإن أبا فروة كان ساقطاً وكان عبداً للحرث حفار القبور بمكة، والحرث مولى عثمان بن عفان، فأبو فروة عبد عبد عثمان، وفي ذلك يقول الشاعر:

وان ولا كيسان للحرث الذي ... ولي زمناً حفر القبور بيثرب

وأبو فروة خرج على عثمان يوم الدار، وكفاه بذلك عاراً، فانظر هل ترى نسباً أسقط أو أرذل من هذا؟ وأعجب من رأي الصاحب علاء الدين في هذا خلو حضرته ممن يعرف هذا القدر فينبهه عليه.

كان الربيع جليلاً نبيلاً منفذاً للأمور مهيباً فصيحاً كافياً حازماً عاقلاً فطناً، خبيراً بالحسابا والأعمال، حاذقاً بأمور الملك، بصيراً بما يأتي ويذر، محباً لفعل الخير.

روي أن المنصور أحضر يوماً إنساناً ذكر له أنه وثب على عامله ببعض النواحي، فقال له المنصور: ويحك! أنت المتوثب على فلان العامل؟ والله لأنثرن من لحمك أكثر مما يبقى منه على عظمك! وكان شيخاً هرماً، فأنشد بصوت ضعيف:

أتروض عرسك بعدما هرمت ... ومن العناء رياضة الهرم

فقال المنصور : يا ربيع ما يقول؟ فقال يقول:

العبد عبدكم والأمر أمركم ... فهل عذابك عني اليوم مصروف؟

فقال: قد عفونا عنه، فلينصرف. ورأى المنصور يوماً في بستانه شجيرة من شجر الخلاف فلم يدر ما هي، فقال: يا ربيع ما هذه الشجرة ؟ فقال الربيع: إجماع ووفاق. وكره أن يقال خلاف. فاستعقله المنصور واستحسن قوله. ولم يزل الربيع وزيراً للمنصور إلى أن مات المنصور وقام الربيع بأخذ البيعة للمهدي على ما تقدم وصفه ، وهو آخر وزراء المنصور، وقتله الهادي. وكان سبب قتله أنه أهدى جارية حسناء إلى المهدي بن المنصور، فوهبها المهدي لابنه موسى الهادي، فغلب حبها عليه وأولدها أولاده. فلما صار الهادي خليفة سعى إليه أعداء الربيع، وقالوا له: إنه إذا رأى بنيك، قال: والله ما وضعت بيني وبين الأرض أطيب من أم هؤلاء. فعظم ذلك على الهادي وعلى بنيه وعلى الجارية أيضاً، فناوله الهادي قدحاً فيه عسل مسموم فشربه فمات ليومه، وذلك في سنة سبعين ومائة.

انقضت أيام المنصور ووزرائه.

ثم ملك بعده ابنه محمد المهدي .

خلافة محمد المهدي

هو أبو عبد الله محمد المهدي بن أبي جعفر المنصور، وقد مر نسبه. بويع له بالخلافة بمكة في سنة ثمان وخمسين ومائة.

كان المهدي شهماً فطناً كريماً، شديداً على أهل الإلحاد والزندقة، لا تأخذه في إهلاكهم لومة لائم، وكانت أيامه شبيهة بأيام أبيه في الفتوق والحوادث والخوارج، وكان يجلس في كل وقت لرد المظالم.

روي عنه أنه كان إذا جلس للمظالم قال: أدخلوا علي القضاة ، فلو لم يكن ردي للمظالم إلا للحياء منهم لكفى.

Hover any word on this page for its meaning

With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.

Create free account