FluentPlex

Flowers of Literature

Original text Public domain

Read with the dictionary

رجع إلى البلاغة

قيل لعمرو بن عبيد : ما البلاغة ؟ قال : ما بلَغك الجنَة ، وَعَدَلَ بك عنِ النار ، وبصَرَك مَوَاقع رُشْدِك ، وعواقبَ غَيّك . قال السائل : ليس هذا أُريد ، قال : من لم يُحسِن أن يسكُتَ لم يُحْسِنْ أن يَسْتَمِع ، ومن لم يُحسِنْ الاستماعَ لم يُحْسِن القولَ ، قال : ليس هذا أُريد ، قال : قال النبي ، ( صلى الله عليه وسلم ) : ' إنَّا معشرَ الأنبياء فينا بَكْءٌ ' أي قِلَةُ كلام ؛ وكانوا يكرهون أن يزيد منطقُ الرجل على عَقْله ، قال السائل : ليس هذا أريد ، قال : كانوا يخافون من فِتْنَة القولِ ومن سقطَاتِ الكلام ما لا يخافون من فِتنَةِ السكوت ، وسقَطَاتِ الصَمْتِ ، قال : ليس هذا أُريد ، قال عمرو : يا هذا ، فكأَنك تريدُ تَحْبير اللفظ في حسن الإفهام ، قال : نعم ، قال : إنَك إن أردتَ تقريرَ حُجَّةِ اللَّهِ عزَّ وجلّ في عقول المكلّفين ، وتخفيف المؤونة عن المستمعين ، وتَزْيين تلك المعاني في قلوب المُريدين ، بالألفاظ المستحسنة في الآذان ، المقبولة في الأذهان ، رغبةً في شرْعة إجابتهم ، ونَفْيِ الشواغلِ عن قلوبهم ، بالموعِظَة الحسنة على الكتاب والسنة - كنت قد أُوتيت الحكمةَ وفَصْلَ الخطابِ ، واستوجَبْت من اللّه جزيلَ الثواب ، فقيل لعبد الكريم بن روح الغِفاري : مَنْ هذا الَذِي صَبَرَ له عَمْرو هذا الصبر ؟ قال : سألتُ عن ذلك أبا حفص الشمري ، فقال : ومن يَجْتَرِئ عليه هذه الجرأة إلاَ حفص بن سالم .

وعمرو بن عبيد بن باب هو رئيسُ المعتزلة في وَقْته ، وهو أوَلُ من تكلّم على المخلوق ، واعتزلَ مجلسَ الحسن البصري ، وهو أول المعتزلة .

ودخل عمرو بن عبيد على أبي جعفر المنصور ، فقال : عِظْني ، فقال : يا أميرَ المؤمنين ، إنَ اللّه أعطاكَ الدنيا بأسْرِها ، فاشْتَرِ نفسَك منه ببعضها ؛ يا أميرَ المؤمنين ، إن هذا الأمرَ لو كان باقياً لأحَدٍ قبلَك ما وصل إليك ، أَلمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُكَ بِعَادِ إرَمَ ذاتِ العِمادِ ؟ قال : فبكى المنصور حتى بَل ثوبه . ثم قال : حاجتَك يا أبا عثمان وكان المنصور لَمَّا دخل عليه طرَح عليه طَيْلَساناً ، فقال : يُرْفَعُ هذا الطيلسان عني فرُفع ، فقال أبو جعفر : لا تَدَعْ إتياننا ؛ قال : نعم ، لا يضمُني وإياك بلد إلاّ دخلتُ إليك ، ولا بَدَتْ لي حاجة إلاَ سألتُكَ ، ولكن لا تُعْطِني حتى أسألك ، ولا تَدْعُني حتى آتيك ، قال : إذاً لا تأتينا أبداً .

Hover any word on this page for its meaning

With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.

Create free account