وكانت سكينة من أجمل نساء زمانها وأعقلهن ، وكان مصعب بن الزبير قد جَمَعَ بينها وبينَ عائشةَ بنت طلحة بن عبيد اللّه ؛ فلّما قُتِل مصعب قالت سكينة : الطويل :
فإن تَقْتُلُوهُ تَقْتُلُوا الماجِد الذي . . . يَرَى الموتَ إلاَ بالسيوفِ حَرَاما
وَقَبلَكَ ما خَاضَ الحسينُ مَنِيَّةَ . . . إلى القومِ حتى أوْرَدُوهُ حِمَاما
وقال علي بن الحسين رحمه الله : لو كانَ الناسُ يعرفونَ جُملةَ الحالِ في فضل الاستبانة ، وجملة الحال في فضل التبيين ، لأعربوا عن كل ما يتلَجْلَجُ في صدورهم ، ولَوَجَدوا من بَرْدِ اليقين ما يغنيهم عن المنازعة إلى كل حال سوى حالهم ، على أنّ إدراكَ ذلك كان لا يعدمهم في الأيام القليلةِ العدَّةٍ ، والفكرةِ القصيرة المدَةِ ، ولكنهم من بين مغمورٍ بالجهلِ ، ومفتونٍ بالعُجْبِ ، ومعدُولٍ بالهَوى عن بابِ التثبّتِ ، ومصروفٍ بسوء العادَة عن فَضْلِ التعلم .
وقال رضي اللّه عنه : المِرَاءُ يُفْسِدُ الصداقةَ القديمة ، ويَحُلّ العقدةَ الوثيقة ، وأقلّ ما فيه أن تكونَ به المغالبة ، والمغالبة من أمْتَن أسباب القطيعة .
ومن دعائه : اللهمَّ ارْزقنْي خوفَ الوعيد ، وسرورَ رجاء الموعود ، حتى لا أرْجُو إلا ما رَجَيت ، ولا أخاف إلاَّ ما خَوَفت .
وحجَ هشام بن عبد الملك ، أو الوليد أخوه ، فطافَ بالبيتِ وأرادَ استلامَ الْحَجَر فلم يقدر ، فنُصِب له مِنبَرٌ فجلس عليه ؛ فبينا هو كذلك إذْ أَقْبَلَ عليُ بن الحسين بن علي بن أبي طالب ، رضي الله عنه ، في إزارِ ورِدَاء ، وكان أحسنَ الناس وَجْهاً ، وأعطرهم رائحة ، وأكثرَهم خشوعاً ، وبين عينيه سَجادة ، كأنها رُكبة عنز ، وطاف بالبيت ، وأتى ليَسْتَلم الحجرَ ، فتنحّى له الناسُ هيبة وإجلالاً ، فغاظ ذلك هشاماً ؛ فقال رجلٌ من أهل الشام : مَن الَّذي أكرمه الناس هذا الإكرام ، وأعظموه هذا الإعظام ؟ فقال هشام : لا أعْرفه ، لئلا يَعْظُمَ في صدور أهل الشام ؛ فقال الفرزدق وكان حاضراً : البسيط :
هذا ابنُ خير عبادِ الله كلهِمُ . . . هذا النقيُّ التقيُ الطاهرُ العَلَمُ