وَصِلِينَا نَصِلْكِ في هذه الدّن . . . يا فإنَّ المُقَامَ فيها قَلِيلُ
ما يتعلق بالأعراب
وقف أعرابي يسألُ ، فعَبِث به فتى ، فقال : ممن أنت ؟ فقال : من بني عامر ابن صعصعة ، فقال : من أيّهم ؟ فقال : إن كنت أردت عاطفة القرابة فليكفك هذا المقدار من المعرفة ، فليس مقامي بمقام مُجادَلة ولا مفاخرة ، وأنا أقولُ : فإن لم أكن من هاماتهم فلستُ من أعجازهم . فقال الفتى : ما رويتَ عن فضيلتك إلاّ النقص في حسبك ، فامتعض الأعرابي لذلك ؛ فجعل الفتى يَعْتَذِر ، ويخلط الهَزْل والدعابة باعتذاره ، وأطَال الكلام ، فقال له الأعرابي : يا هذا ، إنك منذ اليوم آذيتني بمَزْحِك ، وقطعتني عن مسألتي بكلامك واعتذارك ، وإنك لتكشف عن جَهلِك بكلامك ما كان السكوت يَسْتُره من أمرك ، وَيْحك إنَّ الجاهل إن مَزَح أسْخَط ، وإن اعتذر أفرط ، وإن حدث أسقط ، وإن قدَر تسلّط ، وإن عزم على أمرٍ تورَّط ، وإن جلس مجلس الوقار تبسط ، أعوذُ منك ومن حالٍ اضطرتنيِ إلى احتمال مثلك وقال إسحاق الموصلي : قال أعرابي لرجل كان يعتمده بالعطية : اسأل الذي رحمني بك أن يرحمَك بي .
وسأل أعرابي رجلاً ، فأعطاه ، فقال : الحمد للّه الذي ساقني إلى الرزق وساقَك إلى الأجر .
من إنشاء بديع الزمان الهمذاني
ومن إنشاء البديع من مقامات الإسكندري : قال : حدّثنا عيسى بن هشام قال : أفْضَتْ بي إلى بَلْخ تجارة البَزّ ، فوردتها وأنا بِفَرْوَةِ الشباب وبَالِ الفراغ ، وحِلْية الثروة ، لا يهمني إلاّ نزهة فكر أستفيدها ، وشَريدة من الكلام أصيدها ، فما استأذن على سَمْعِي مسافةَ مُقامي ، أفصحُ من كلامي . ولمَا حنى التفرقُ بنا قوْسَه أو كاد ، دخل إليً شابّ في زي مِلْء العَيْن ، ولحية تَشُوكُ الأخْدَعَيْنِ ، وطَرْف قد شرب بماء الرَّافدين ، ولَقِيَني من البرِّ في السناء ، بما زِدْتُه من الشكر والثناء ؛ ثم قال : أظَعْنا تُرِيد ؟ قلت : إي واللّه ، فقال : أخصَبَ الله رَائِدَك ، ولا أضلّ قائِدَك ،