عليه ، وأنا رجلٌ من بني عامر بن صعصعة يمتُّ بالعمومة ويختصُ بالخؤولة ، كَثُرَ عِيَاله ، ووَطِئه زمانُه ، وبه فقر وفيه أجر ، وعنده شُكْر .
فقال له عتبة : أستغفر اللّه منك ، وأستعين به عليك ، وقد أمَرْتُ لك بغناك ، فليت إسراعي إليك يقوم بإبطائي عنك
عود إلى الجاحظ
قال الجاحظ : تشاغلت مع الحسن بن وَهْب أخي سليمان بن وهب بشُرْبِ النبيذ أياماً ، فطلبني محمدُ بن عبد الملك لمؤانسته ، فأُخْبِر باتصالِ شغْلي مع الحسن ابن وهب ، فتنكَر لي ، وتلوَّن عليّ ؛ فكتبتُ إليه رقعة نسختها : أعاذك اللهّ من سُوء الغَضَب ، وعَصَمَك مِن سَرَفِ الهوى ، وصَرَف ما أعارَك من القوة إلى حث الإنصاف ، ورجح في قلبك إيثار الأناة ، فقد خِفْتُ - أيَّدك اللّه - أن أكون عندك من المنسوبين إلى نزقِ السفهاء ، ومُجانبة سُبُلِ الحكماء ، وبعدُ ، فقد قال عبد الرحمن بن حسان بن ثابت : الطويل :
وإن أمرأً أمسى وأصبح سالماً . . . من الناس إلاَ ما جَنَى لَسَعيدُ
وقال الآخر : السريع :
ومن دعا الناس إلى ذَمَهِ . . . ذموهُ بالحقِّ وبالْباطِل
فإن كنتُ اجترأتُ عليك - أصلحك الله - فلم أجترئْ إلاّ لأنّ دوامَ تغافلك عني شبيه بالإهمال ، الذي يُورِثُ الإغفال ، والعفو المتتابع يؤمنُ مِنَ المكافأة ، ولذلك قال عُيَيْنة بن حِصْن بن حذيفة لعثمان رحمه الله : عمر كان خيراً لي منك ، أرْهَبني فأتْقاني ، وأعطاني فأغناني ، فإن كنت لا تَهَبُ عقابي - أيدّك الله - لخدْمَة فهبْه لأياديك عندي ؛ فإن النعمةَ تشفع في النقمة ، وإلاَّ تفعلْ ذلك لذلك فعُدْ إلى حُسْن العادة ، وإلاّ فافْعَلْ ذلك لحُسْن الأحدوثة ؛ وإلاّ فأتِ ما أنْتَ أهلُه من العفو دون ما أنا أهلُه من استحقاق العقوبة ، فسبحانَ مَن جعلك تَعْفُو عن المتعمِّد ، وتتجافى عن عقاب المُصر ، حتى إذا صرت إلى مَنْ هَفْوَته ذِكْر ، وذَنْبه نسيان ، ومن لا يعرف الشكرَ إلاِّ لك ، والإنعامَ إلاّ منك هجمتَ عليه بالعقوبة . وأعلمْ - أيدك الله - أنَّ شَيْنَ غَضبك علي كَزَيْنِ صَفْحِك عني ، وأنٌ موت ذِكْري مع انقطاع سببي منك كحياةِ ذكرك مع اتصال سببي بك ، واعلمْ أنّ لكَ فطنة عليم ، وغفلة كريم ، والسلام .