فدع الهزل والتضاحك بالطي . . . رة والنصح مُثمن مجانُ
وقد فرَّق حُذاق أهل النظر في المقال ، بين الطيرة والفال ، فقالوا : الطيرة كانت العرب ترجعُ إلى ما تمضيها ، وتجري على تقضيها ، وكان الذي يهُمُ بهم إذا ما رأى ما يتطير منه رجع عنه ؛ وفي ذلك ما يصرف عن الإحالة على المقادير الجارية بيد مُمْضيها ، النازلة على حكم قاضيها ، والفَأْل لا يردّ المريد عمّا يريد إنما يُقَوَي مُنته ، ويَسُرُ مهجته ؛ وليس هذا موضع تطويل ، في إيراد الدليل .
وفي جفاء القاسم بن عبيد الله إياه يقول معاتباً : الطويل :
ألم ترني أقرضْتُك الودَ طائعاً . . . ولم تر قبلي مُعسِراً قط أقْرَضا
لعمري لقد صوّرت أبيض مشرقاً . . . فَلِمْ لا تُرِيني وَجْهَ نُعماك أبيضا ؟
فيا ويح مولاك استغاث بمشربٍ . . . فأشرق فاستشفى شفاء فأفرضا ولولا اعتقادي أنك الخيرُ كلهُ . . . لأزْمَعْتُ توديعاً ، قضى اللّه ما قَضَى
وإني وإن دارَتْ علي دوائرٌ . . . لأُعْرِض عمَّنْ صَدَ عني وأعْرَضا
وما زلت عَرَافاً إذا الزاد رانَني . . . بخبثٍ وعيّافاً إذا الماءُ عَرْمَضا
وهذا البيت كقول الآخر : الطويل :
وإنيَ للمَاء المخالط للقَذَى . . . إذا كثرت وُرَادُهُ لَعُيُوفُ
وفي ابنة المسيبي يقول ابن الرومي يعزّيه : الطويل :
أخا ثقتي أعْزِزْ عليَ بنكبةٍ . . . مَنَاك بها صَرْفُ القضاءِ المقدَرُ
صِبْتَ ، وما للمرء من حُكْمِ ربِّه . . . محيدٌ ، وأمرُ اللَهِ أعلى وأقهرُ
وقد مات من لا يخلف الدهر مثلَهُ . . . عليك من الأسلاف والحقُّ يَبْهَرُ
تعزيت عمّن أثمرتك حياتهُ . . . ووَشك التعزي عن ثمارك أجْدَرُ
لأن اختيال الدهر في ابنٍ وفي ابنةٍ . . . يسير وكرُ الدهر شيخيك أعسَرُ
تعذر أن نعتاض من أمهاتنا . . . وآبائنا ، والنسلُ لا يتعذّر
فلا تهلِكَنْ حُزْناً على ابنة جنةٍ . . . مضت وهي عند اللَّهِ تحيا وتُحْبَرُ
لعل الذي أعطاك ستر حياتها . . . كساها من اللحْدِ الذي هو اسْتَرُ
فكم من أخي حرية قد رأيتهُ . . . بنارِ ذوي الأصهار يكوى ويُصْهَرُ